مقالات و بحوث

الشباب بين التجديد والتهميش

د. معاذ

يعد الشباب العنصر الأهم لتقدم الأمم والشعوب، فلا قيمة للمجتمع الذي لا يرعى أي اهتمام لشبابه، إعطائهم الأولوية الكبرى في كافة المجالات. إن سر نهضة الأمم وقوتها وعمادها وحصنها المنيع، ودرعها الحامي هم الشباب، فلا قيمة معنوية ولا مادية دون هؤلاء الشباب، ستبقى الأمة مفقرة مثل الأرض الجدباء تفتقر لمن يصلحها ويهتم بها.

إن الإهتمام بقضايا الشباب ليست أولوية عابرة أو مسألة طارئة تستوجب سن القوانين أو التشريعات، فهم القلب النابض للأمة والأمين القوي المستنصر لها، فالمجتمعات الشابة هي المجتمعات المؤتمنة على أرواح الأمة، بينما المجتمعات المصابة بداء الكهل والشيخوخة هي مجتمعات ميتة لن يرجى شفاؤها، فهي عبء على الأمة لا تقدم ولاتؤخر.

حرص الإسلامة منذ بزوغه على الإهتمام بالشباب بل أولوهم كل الأهمية وأعطائهم مايرجون، ليس فقط في مجال الدعوة الإسلامية بل في كافة المجالات، كان منهم القائد، المسؤول، المعلم، الطبيب، والداعي إلى حماية الأمة والدفاع عنها، فلم يميز بينهما على أساس فئة عُمرية، ولم تكن العصبية حاضرة بينهما تفرق بين هذا وذاك، بل كانت أخلاقهما وسلوكهما حاضرةً بقوة في حياتهما وأعمالهما، نستحضر هنا تكليف النبي صلى الله عليه وسلم الشباب للقيام بكثيرٍ من المهام منها تكليفه للصحابي الجليل مصعب بن عمير بأنّ يكون أول سفيرٍ للإسلام، حيث بعثه إلى المدينة ليعلّم أهلها الديّن والقرآن، كما كلّف النّبي عليه الصّلاة والسّلام الصّحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنه بقيادة جيش يتوجّه لقتال الرّوم في الشّام وقد كان عمره لم يتجاوز ثمانية عشر عامًا، وعلى الرّغم من وجود صحابة كبار في السّنّ في جيشه كسيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه .

إن مثل تلك النماذج كانت حيةً في وجدان الإسلام منذ إنطلاقة نعومة أظفاره، فتوجهت أنظاره إليهم، فعلى أيديهم، نصروا بالدعوة، وقادوا الأمم وفتحوا البلدان، وأقاموا دولة الحق يهابها العدو قبل الصديق، ولم يعبأؤا بقبلية أو حزبية أو وجاهات عشاىرية طردية تقلل من قيمة الدولة التي محورها وسندها هؤلاء الشباب.

إما إذا نظرنا إلى الواقع المعاش اليوم، واقع يمتاز بالحسرة على ما يصبو إليه من إفتقار وإهتمام للشباب، فالشباب في مجتمعاتنا بين مطرقة التجديد المصابة بالعقم والخوف من التغيير، والتهميش الذي يصلُ بهم إلى اليأس والأحباط بل يدفع بهم للهجرة وربما عدم التفكير بالعودة للوطن.

وهنا استحضر واقعنا الحيّ المكلوم المعاش الذي ربما كل دولنا بل كل مجتمعاتنا مصابة به، داء التجديد العقيم الذي لايرجي منه أي فائدة سوى ضياع الوقت وتبديده.

في مسألة التجديد، لم أر في مجتمعاتنا نماذج حية داعية للتجديد بل على العكس من ذلك أغلبها نماذج مدمرة تعكس واقع اليأس والأحباط والإفتقار لروح المسؤولية والأبداع، ترى شباباً يفنون حياتهم في طلب العلم بل يحصلون على أعلى الدرجات، تتلهف قلوبهم للعودة لإوطانهم من أجل تجديدها، وحال عودتهم يصابون بداء الأحباط واليأس، لا تهتم بهم مجتمعاتهم، لا تعطيهم آدنى درجات الإهتمام، بل العكس تحاول سجب كافة الصلاحيات منهم كي يصبحوا تابعين خاضعين لها في كافة المجالات، وتكون النتيجة، الياس والأحباط، والكسل المرافق لهم.

وكذلك في مسالة التجديد المصطنع إذا أتيح لهؤلاء الشباب أن يبدعوا ستكون فرصة الإبداع معدومة، قائمة على المحاصصة والفساد الإداري، والوجاهة، والحزبية التي ما فتئت أن أصابت مجتمعاتنا بالعقم، الذي لا يرجى منه شفاؤه. أين مصير أصحاب الخبرات؟ أين مصير أصحاب الهمم والطاقات؟ كيف سيبدعون بعد هذا اليوم وينتجون في مجتمعاتهم؟

الإجابة ببساطة لن يكون لهم أي درجات للإبداع والتجديد يكون مصيرهم التهميش، اقصد هنا عدم الإهتمام بهم، فعندما يتخرجون من الجامعة لايجدون عملاً، في هذا الإطار حدث ولاحرج، يلجأؤن للعمل في وظائف غير وظائفهم مثل: الطوبار، مخبز للفرن، محل حلويات. شباب يفنون حياتهم في دفع أموالٍ طائلة من أجل مستقبلٍ مشرق، تكون المحصلة النهائية أن يصبحوا أدواتٍ محرقة لدى أرباب العمل يتحكم بهم القاصي والداني، والأهم حياتهم النفسية كيف ستتشكل بعد ذلك؟

بلا آدنى شك ستكون حياتهم  باعثةً على القلق والإنهيار النفسي المنظم، إما أن يبقى الشاب عاملاً طوال حياته في وطنه بإجورٍ منخفضة يتلقى دراهم معدودة، ويبقى فقيراً، أو يغادر وطنه ويذهب للخارج بحثاً عن واقعه وحُلمه ويصنعُ لنفسه مجداً يحقق من خلاله طموحاته وآماله.

هذا واقع الشباب اليوم، شئنا أم آبينا، أتفقنا أم إختلفنا لم ننصفهم فكانت النتيجة ضياعهم وتشريدهم، تكلمت هنا على البعدُ المادي النفسي والمعنوي، فلم اتكلم بعد عن حجم المشكلات والضغوط النفسية الواقعة عليهم، فمنهم من يفكر بالإنتحار أملاً بأنه سيفرُ من واقعه المؤلم إلى واقعٍ أخر، ومنهم من يقع فريسةً للإدمان على المخدرات والحشيش، طلباً للحياة السعيدة الرغيدة ظناً منه تغيير حياته نحو الأفضل، منهم من يركن نحو وحل العمالة ليصبح عميلاً للصهاينة وأتباعهم مقابل دراهم معدودة، ومنهم من يفكر في أن يكون منحرفاً يمارس الرذيلة والدعارة في سبيل جمع أموالٍ لتأمين حياته وحياة أسرته.

أي حياة هذه وأي واقع مؤلم ذلك، ومن يتحمل تبعات ذلك الواقع المؤلم، ومن هي الجهات التي تتكفل تلك الضحايا التي تتهاوى شيئاً فشيئاً لتصبح غدرة من غدرات المستقبل، دعونا نتحدث بكل جديةٍ وواقعية متى سنسعف هؤلاء الشباب وننقذهم؟ متى سنلتفت إليهم؟

أخيراً:

لماذا الغرب نجح وينجح في إستيعاب أبنائه وتوفير لقمة العيش الهنية لهم، وسبلُ الحياة السعيدة دون أدنى منغصات؟ هل لديه عالم الأشياء والافكار أكثر واقعية وصدقية منا؟ الأجابة لا؟ لأن الغرب أدرك بأن هؤلاء الشباب مصدر قوته وعماده؟ لماذا لم يهاجر الشباب الغربيون إلى البلدان العربية طلباً للعمل، أو للدراسة؟ لماذا لم يهاجر الشباب الغربيون لبلداننا؟ لإن بلدانهم احتضنتهم ولم تفرق بينهم، لم تبنِ بينهم جسوراً من اليأس والألم والفرقة. واقع شبابنا اليوم بين مطرقة التجديد المصطنع المغموس بداء الوهم، الذي يخيلَ بأنه طريق للنمو والنماء، واقع أصبح اليوم بين سنديان الحرب والقتل والتهميش المنظم، أي أختار سبلُ العيش كما تراها مناسبةً.

متى سنستيفظ؟ ومتى سنهتم بتلك الشريحة ونبني واقعنا؟ سنبقى أسرى الوهم والإستبداد، وإلى أي مدى سبيقى الغرب يحتضننا ويرعانا؟ من الأهم أن نبني مجتمعاتنا أم نبني مجتمعات الغرب؟

ما الذي يجب فعله في الأيام المقبلة، لابد من استراتيجيات عربية بأيدي عربية تحيى واقع الشباب، لانريد استراتيجيات غربية تصنع أملاً لشبابنا، الغرب لايريد لنا ان ننهض أو نتقدم، قدم لنا عولمته بطرقها السلبية والإيجابية، أنتج ونجح في بث الكثير من الأساليب الخفية والعلنية في تدمير شبابنا، والنتيجة الحال سيء للغاية لم نستفد شيئاً، لأ أعلم أين المشكلة في التقنيات الحديثة؟ أم المستوردين للتقنيات؟ ام في الجهات الراعية لها؟

ما عرضته هنا يمثلُ واقع الشباب في كل بلدان العالم العربي، واقع إذا لم نسعفه ونضمد جراحاته، من سيسعفه؟ الشباب هم الأمل بعد الله والركيزة الحية النابضة بالعطاء، فكيف لهؤلاء أن ينزلقوا مزالق الشياطين أو يكونوا عبيداً لإهوائهم، علينا أن نقدم لهم المبادرات الحية اليقظة التي ترمم جراحاتهم، وتنقذهم من واقع الوهم إلى الحقيقة.

ليس الإنقاذ مادياً بل نفسياً، الجلوس معهم، والإستماع لكلامهم، كما نحن بحاجة لهم، وبأمس الحاجة لنظراتهم المتسعة بالأمل والعطاء، كم هم الأغلى على قلوبنا، كم نفتقد أياديهم التي تعرتش حباً لبناء مجتمعاتهم، عليناً إلا نقتل ذلك الحلم ونبدده من كل الزوايا والجهات.

الغرب ليس أفضل مناً ولايمتلك موارد وثروات تفضله علينا، بل يمتلك رجالٍ يخافون على رجالهم، كما نحن أيام عصر الإسلام مع فارق التشبيه، يوجهونهم إلى مايريدون، يأخذوت بأيديهم إلى طريق الحق والخير يفتحون أذرع أياديهم لهم حباً في العطاء ورغبةً في العمل، لايقتلون الأمل بداخلهم، يزرعون وروداً على طرقاتهم، يقبلون أياديهم حباً لهم في العمل والحياة، وإذا مرضوا يوفرون لهم كل مايجتاجون لإنقاذ أرواحهم.

عليناً جميعاً أن نعمل على رعاية هؤلاء الشباب بل توفير كل مقومات الحياة الناجحة لهم، بكل ما آتي من قوة وعزيمة، لن يصلح واقع أمتنا دون إصلاح واقع شبابنا المكلومين والهائمين على روؤسهم، والذين يحلمون بمستقبل مشرق مثلهم مثل بقية الشباب، فهذا حقهم وواجب مجتمعاتهم أن تنصفهم وتقدم لهم كل ما يجتاجونه، فالعطاء لهم نعمة تعود بالخير الوفير لهم وعلى مجتمعاتهم، علينا أن نتحلل من عقدة الأنانية التي تستحوذ على قلوبنا ونرمم واقعنا ونسعف شبابنا، ونغيرُ مجتمعنا، فهذا أقصرُ الطرق وأنبلها، ودونها لن تتقدم الأمم ولن يزهر وردها.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *