دولي

هونج كونج .. ناطحات سحاب وعمال فقراء

 

هونج كونج تلك المدينة الساحرة التي تطل علينا بأبراجها وأخبارها نراها بصورة ساحرة، ولكن الواقع مختلف،

فما بين الصورة التي نراها والواقع الذي يعيشه سكانها فجوة كبيرة.

على سبيل المثال تقضي تشيونغ يوك-فونغ يومها في جمع العبوات المهملة لإعادة بيعها،

وهي صناعة متنامية في واحدة من أقل مدن العالم عدلا، وهي هونج كونج.

قالت فونغ، “يبدو أن هناك مزيدا من الناس يبحثون عن الورق المقوى في القمامة هذه الأيام…

مقارنة بالأعوام القليلة الماضية. فبمجرد أن يضع أحدهم قصاصات من الورق المقوى في الشوارع، ستختفي .

من الصعب للغاية أن تكسب لقمة العيش”.

إن المرأة البالغة من العمر 70 عاما هي إحدى “جدات الورق المقوى” في هونج كونج، وهن كبار السن اللواتي يعشن في فقر ويبحثن في المدينة عن صناديق القمامة والخردة، حتى في الحي التجاري المبهرج، لبيعها لشركات إعادة التدوير المحلية.

ووفقًا لبيانات هيئة الإحصاءات التي نقلتها “بلومبيرج”،

حيث رفعت هونج كونج تقديراتها للناتج المحلي الإجمالي ليتراوح بين 5.5% و6.5% بدلاً من توقعاتها السابقة عند مستوى يتراوح بين 3.5% و5.5%.

ويتزامن مع القرار اتجاه السلطات للتخفيف التدريجي للقيود المرتبطة بالوباء مما أدى إلى تعزيز الإنفاق بنسبة 6.8% على أساس سنوي خلال الربع الثاني،

مع بدء الحكومة في توزيع قسائم شراء بقيمة 5000 دولار هونج كونج (642 دولارًا) على السكان المؤهلين لتشجيع الإنفاق.

أما على جانب آخر من الإحصائيات، فيعني الكدح اليومي في الشوارع أنه يمكنهن كسب ما يصل إلى نحو 60 دولارا هونج كونج “7.69 دولار أمريكي”

وهو ما يكفي بالكاد لشراء وجبتين في مطعم للوجبات السريعة في واحدة من أغلى المدن في العالم.

قوى العمل المسنة ودورها في اقتصاد هونج كونج

لطالما كانت القوى العاملة المسنة – التي تقدرها جماعات المجتمع المدني بالآلاف – موجودة في هونج كونج منذ فترة طويلة،

لكن يقال إنها نمت وسط فقدان الوظائف على نطاق واسع وجائحة فيروس كورونا.

وقال وونغ هونغ، الأستاذ المساعد في قسم العمل الاجتماعي في جامعة هونج كونج الصينية والمتخصص في موضوع الفقر،

“إن الجائحة لم تؤد إلى زيادة البطالة فحسب، بل زادت أيضا من عدد الأشخاص العاطلين عن العمل”.

وعلى الرغم من أن هذا الإقليم الصيني يعد واحدا من أكثر المدن ثراء في آسيا، إلا أن معدل الفقر في هونج كونج قد سجل أعلى مستوى له في 12 عاما هذا العام .

ووفقا لتقرير الفقر السنوي الحكومي الصادر في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي،

فإن واحدا من كل أربعة من سكان هونج كونج البالغ عددهم 7.5 مليون نسمة يعيش في حالة فقر.

حيث يعيش نحو 584 ألفا من كبار السن، أو نحو 45 في المائة منهم، تحت خط الفقر المحدد بدخل شهري قدره 4400 دولار هونج كونج “أي 564 دولارا أمريكيا”.

وعلى عكس بعض الدول الآسيوية، لا يوجد في هونج كونج سن رسمي للتقاعد، لكن الناس يتوقفون عن العمل بشكل عام عند سن الـ60 أو 65 تقريبا ويتلقون الدعم حينها من نظام التقاعد الإلزامي.

مع ذلك، يشتكي عديد من الأشخاص الذين لا يملكون ما يكفي من المدخرات من أن الدعم ليس كافيا، على الرغم من تقديم الدعم الحكومي الإضافي للفقراء.

وقالت سزي لاي شان، نائبة مدير الجمعية غير الحكومية لمنظمات المجتمع، التي تساعد كثيرين من مجتمع المحتاجين في المدينة،

“إن نسبة الفقر المرتفعة خاصة بين كبار السن هي أمر غير مقبول… وهو وضع له خطورته بشكل خاص في هونج كونج”.

بينما توصف المستعمرة البريطانية السابقة بأنها المركز المالي لآسيا، وتتباهى بإجمالي ناتج محلي للفرد أعلى منه في اليابان وكوريا الجنوبية، فإن احتياطياتها المالية في تشرين الأول (أكتوبر) بلغت أكثر من 800 مليار دولار هونج كونج.

ولكن في أعقاب الاحتجاجات المطالبة بالديمقراطية على مستوى المدينة في 2019 واستراتيجية “صفر كوفيد” التي تم تطبيقها منذ ما يقرب من عامين،

كان على الاقتصاد التأقلم مع عدد أقل من السياح وهجرة الشركات من المدينة.

رغم كثرة الفقراء في هونج كونج لكن لا يراهم أحد

ويجادل المسؤولون المحليون بأن أعدادا أقل من الناس تعيش في فقر بعد إجراءات الدعم الحكومية التي دفعتها لمرة واحدة والمتكررة، بما في ذلك تقديم المساعدات النقدية وإعانات السكن للفقراء.

لكن وونغ، من الجامعة الصينية، قال إن هذا الادعاء “غير موضوعي”،

لأن بعض السياسات الحكومية لم يكن لها سوى تأثير قصير المدى نسبيا. وقال إن عديدا من السكان المحتاجين قد وجدوا أنهم “ما زالوا يعيشون في فقر وحالة من الحرمان”.

وإذا حالف الحظ تشيونغ يوك-فونغ – التي تعمل كحارسة أمن بدوام جزئي على الرغم من عمرها،

حيث ستتمكن من زيادة دخلها الشهري بأكثر من 1500 دولار هونج كونج “192 دولارا أمريكيا” عن طريق بيع المواد المستعملة.

لكن الجزء الأكبر من راتبها الرسمي يذهب لدفع إيجار شقة مقسمة بمساحة 100 متر مربع في واحد من أفقر الأحياء في المدينة، وهي شام شوي بو، التي تكلفها نحو ستة آلاف دولار هونج كونج شهريا.

أما تانغ يو تشون، 72 عاما، فهي “جدة تجمع الكرتون” حيث تقوم بجمع الكرتون المقوى كل يوم تقريبا، بدءا من بزوغ الفجر وفي الأغلب ما تعمل حتى أوائل المساء.

لكن على الرغم مما تعانيه من آلام الظهر وتلقيها بعض المخصصات الحكومية،

إلا أنها قالت إنه “لا يزال يجب عليها الاستمرار” من أجل تغطية نفقاتها ودفع الإيجار لشقتها المقسمة بالقواطع وتبلغ مساحتها 70 قدما مربعا.

وعلى شاكلة تانغ، وهي مطلقة ولديها ابن يعيش في الصين، يعيش عديد من المسنين في هونج كونج بمفردهم دون حصولهم على أي دعم من أسرهم.

وفي مدينة تضم بعض أغلى العقارات في العالم، يوجد نقص في المساكن العامة. حيث يتعين على العائلات الانتظار بمعدل 5.9 أعوام للحصول على شقة عامة، وفقا لآخر الإحصاءات الرسمية،

في حين أن الانتظار بالنسبة إلى كبار السن يعد أقل بقليل من ذلك لكنه لا يزال عند متوسط 3.8 أعوام.

حيث يعيش أكثر من 226 ألف شخص في ظروف سيئة، بمن فيهم الذين يعيشون في شقق صغيرة مقسمة.

كما تعهدت بكين هذا العام بأن تقوم هونج كونج بالتخلص من المساكن ذات النوعية الرديئة بحلول 2049.

حيث قام لو هوينينغ، رئيس مكتب الاتصال الصيني في المدينة، بزيارات رفيعة المستوى للأسر الفقيرة في أيلول (سبتمبر) الماضي،

وقال إنه شعر “بحزن شديد” بعد أن اطلع على ظروفهم المعيشية.

لكن كثيرين ممن يعيشون في فقر قالوا إنهم لم يحصلوا على الدعم الكافي من السلطات.

ووفقا للبيانات الرسمية، فإنه من بين 275 ألف طفل دون الـ18 عاما، يعيش نحو 27 في المائة منهم في فقر.

فيما وجدت دراسة استقصائية أجرتها جمعية المنظمات المجتمعية أخيرا أن واحدا من كل عشرة فتية تقريبا قد اضطر إلى بيع

نفايات الورق المقوى لمساعدة أهاليهم في تغطية نفقاتهم.

وقال متحدث باسم الحكومة لصحيفة “فاينانشال تايمز”،

إن المسؤولين “على دراية تامة بالحاجة إلى مواصلة تنفيذ التدابير المستدامة لتحسين معيشة الناس”، عبر تنفيذ خطط جاهزة مثل تسريع بناء المساكن العامة.

ومع ذلك، يتوقع ونغ، من الجامعة الصينية، أن يستمر وضع الفقر في هونج كونج “على ما هو عليه أو حتى أن يزداد سوءا” خلال العام المقبل إذا استمرت الجائحة.

“لقد استنفد عديد من الأسر الفقيرة مدخراتها بالفعل واستنفدت المساعدات المقدمة لها من الأقارب والأصدقاء…

وعلى الرغم من تحسن وضع البطالة، إلا أن مشكلة العمال الفقراء لا تزال قائمة”.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى