مقالات

هل يعني ضم السودان لمبادرة (هيبك) الغاء الديون

بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين

في يوليو 2017م أعلن وزير المالية والتخطيط الاقتصاديالاسبق محمد عثمان الركابي، أن بلاده استوفت شروط ومتطلبات مبادرة الإعفاء من الديون للدول الأقل نمواً (HIPC)، علماً بأن السودان سوف يصل إلى نقطة القرار في نهاية يونيو/ حزيران 2021م باتمامه للاشتراطات الصندوق والبنك الدوليين التى نفذتها حكومة الثورة؛ وبذلك سيكون مؤهلاً لتخفيف عبء الديون بشكل لا رجعة فيه، بموجب مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون.

ونذكر هنا أن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أطلقا مبادرة هيبك Highly Indebted Poor Country (HIPC) في عام 1996 لمواجهة تراكم الديون بدرجة لا يمكن تحملها على عاتق العديد من البلدان الفقيرة منخفضة الدخل طوال عقدي السبعينيات والثمانينيات، ونذكر أنه توجد مبادرة أخرى هي مبادرة تخفيض الديون متعددة الأطراف(MADRI) Multilateral Debt Relief Initiative؛ باختصار تدعو هذه المبادرة (HIPC) الى قيام جميعالدائنين طواعية بتخفيف أعباء الديون، كما تهدف الى إتاحة بداية جديدة للبلدان التي تواجه أعباء الدين الخارجى الذي يشكل عبئاًكبيراً ثقيلا على عائدات الصادرات أو إيرادات الموازنة العامة. ويصل اى بلد يرغب في الانضمام الى المبادرة بعد وصوله الى ما يعرف بنقطة اتخاذ القرار Point Decision عندما يتعهد بإجراء اصلاحات ضرورية؛ وتحقيق سجل أداء يثبت استقرار الاقتصاد الكلي؛ وإعداد وثيقة استراتيجية مؤقتة لخفض أعداد الفقراء تقدم للبنك الدولى وصفاً لاصلاحات أساسية هيكلية واجتماعية؛ بالاضافة الى قيام البلد المعني بتسوية متأخرات الديون مستحقة عليه. عند ذلك يتم قبول هذا البلد في المبادرة، ويتم منحه مساعدات لتخفيف أعباء الديون.

هذا ويشير مصطلح “تخفيف أعباء الديون” إلى أي نوع من أنواع إعادة تنظيم الديون من شأنه أن يقلل أعباء الديون الإجمالية للمستفيد. وفي إطار مبادرة البلـدان الفقـيرة المثقلـة بالديون، فإن تخفيف أعباء الديون يأخذ أشكالاً مختلفة، بما في ذلك الإلغاء (أو “الإعفـاء”) وإعادة الهيكلة وإعادة الجدولة.

ويحدث الإلغاء عندما يتفق الدائن والمدين رسمياً على أنه لم تعد هناك حاجـة إلى سداد الدين المستحق أو جزء منه. وبعبارة أخرى، فإن الإلغاء ينهي كـل الالتـزام المـالي المستحق من المدين للدائن أو جزء منه. أما إعادة الهيكلة فهي عملية يتفق بموجبـها الـدائن والمدين على تغيير شروط محددة سابقاً لسداد الديون. ويمكن أن يشمل ذلك الإعفـاء مـن الديون (إنهاء الديون)، أو إعادة الجدولة التي يمكن تنفيذها إما عن طريق تعـديل جـدول . وتشير إعادة الجدولة إلى تأجيـل (السداد بإطالة الفترة أو تقديم قرض إعادة تمويل جديد الدفعات المستحقة (بما في ذلك الفوائد) لفترة محددة من الوقت من أجل تخفيض التزامـات ويمكن أن تشمل إعادة خدمة الديون قريبة الأجل، وبالتالي توفير “التخفيف” للبلد المدين الجدولة أيضاً إعفاءً من جزء من الدين أو إنهاءه.

بالاضافة الى ذلك نجد أنه خلافاً لمصادر التمويل الأخرى، فإن موارد تخفيـف أعبـاء الديون لا تشكل أموالاً جديدة من مصادر خارجية للبلدان المستفيدة. ويكون أثرها المباشـر في الـسماح بالاحتفاظ بموارد الموازنة العامة التي كانت سوف تنفق على خدمةتلك الديون؛ ونذكر هنا نقطة مهمة ألا وهي ان السودان لن يستفيد من هذه الميزة باعتباره توقف عن السداد منذ عهد النظام السابق ولم تدرج مبالغ للسداد ضمن موازنته.

ونذكر هنا نقطة مهمة وهي أن الجزء من الديون التي يُطلب منالدائنين التنازل عنه وما يعرف بعامـل التخفيض المشترك، يحسب بحيث تكون ديون البلد عند عتبة القدرة على تحمـل الـديون أي ١٥٠ في المائة من القيمة الحالية للصادرات (أو في بعض الحالات ٢٥٠ في المائـة مـن الإيرادات الحكومية). وبالتالي، فإن تخفيف أعباء الديون في إطـار المبـادرتين لا يـستتبع بالضرورة إنهاء جميع ديون البلد المدين.

في عام 2013م وصل 35 بلدا الى نقطة الانجاز Completion point من أصل 39 بلدا وهى النقطة التى تعقب نقطة اتخاذ القرار اذا تحققت الاصلاحات التى تعهد بها البلد المعني، وهى نقطة تؤهل للاستفادة وتحصل على كامل مبلغ تخفيف الديون غير القابلة للالغاء؛ والآن ناتي الى نقطة الانجاز وشروط الوصول اليها؛ وللوصول إلى “نقطة الإنجاز” والحصول على تخفيض كامل وغير قابل للإلغاء للديون في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، يجب على البلد أن:

(أ) يكون لديه أيضاً سجل من الأداء الجيد في إطار برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

(ب) أن يكون نفذ الإصلاحات الرئيسية المتفق عليها بما يرضي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عند نقطـة اتخـاذ القرار، ومن هذه الاصلاحات اقامة نظام مالى خاضع للمساءلة، أن يتم انشاء نظام قانوني سليم وان يثبت تحقيق استقرار الاقتصاد الكلى ونذكر هنا ام اهم مؤشرات هذا الاقتصاد الكلى اجمالي الناتج المحلى (GDP) واجمالى الناتج القومى (GNP) وهي المؤشرات التى تميزاقتصاد الدولة ومدى قوته كفاءته، بالاضافة الى اصلاحات لخفض مستويات الفقر وتحسين حياة الفقراء وتحسين الجودة النوعية للخدمات العامة.

(ج) يعتمد وينفذ ورقة استراتيجية الحد من الفقر لمدة عام على الأقل، وهي ورقة تتكون من تقرير صادر عن البلد المدين عن السياسات والبرامج المتعلقة بالاقتصاد الكلي والشؤون الاجتماعية التي سـيتم تنفيـذها في إطار استراتيجيته للنمو والحد من الفقر. كما أنها تصف متطلبات التمويل الخارجي ومصادره، علما بأن ورقة استراتيجية الحد من الفقرتخضع في الاساس لموافقة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

الان سوف نستعرض جزء من الاجراءات التى قامت بها الحكومة لتصل الى نقطة اتخاذ القرار وتكون مؤهلة للاستفادة وتحصل على كامل مبلغ تخفيف الديون غير القابلة للالغاء، وبما أن قرارت الصندوق والبنك الدوليين ذات تجاهات سياسية يصبح الوضع السياسي والتغيير الذى حدث في السودان احد اهم العناصر لاتخاذ القرار، اما في مجال القوانين نجد انه حتى يونيو 2021 تمت اجازة والغاء اكثر من 40 قانونا رفن أنها لم تمر بالاجراءات والخطوات المعروفة لاجازة والغاء القوانين في السودان، وابرز هذه القوانين لغاء قانون النظام العام، وقانون تغطيك نظام الثلاثين من يونيو، اجازة قانون التعديلات المتنوعة لاعتماد نظام مالى مزدوج (السماح بوجود نظام ربوى)ن قانون الاستثمار، اجازة قانون الغاء مقاطعة اسرائيل.

اما الجانب المالى والنقدى والاقتصادى توجد بعثة من الصندوق في الخرطوم يرأسها ممثل مقيم، وكان فريق من صندوق النقد الدولى عقد اجتماع مهم في الخرطوم خلال الفترة من 4 إلى 17 ديسمبر 2019م، برئاسة دانيال كاندا وضم الممثل المقيم في الخرطوم عبدالكريم فرج وآخرون، بالاضافة الى اقتصادى سودانى (عبدالمحمود ابو الحسن) واهم ما قاله دانيال كاندا يتيح التغيير السياسي للسودان فرصة لتنفيذ الإصلاحات الضرورية التي تعالج الاختلالات الاقتصادية الكلية الكبيرة وتخلق الظروف الملائمة لتحقيق نمو احتوائي مستمر“؛ وهذه الاصلاحات تسير وفق مخطط صندوق النقد الدولى ومثل ذلك في رفع كل اشكال الدعم التى كانت تقدم للمواطن من المحروقات مرورا بالخبز والدواء واخيرا الغاء الدولار الجمركى، وتحرير سعر صرف الجنيه؛ وبالتالى اقامة نظام مالى قابل للمساءلة، اذا هذا الجانب من حكم المؤكد تم فيه عمل كبير من خلال وجود ممثل للصندوق بالخرطوم.

ايضا يحاول السودان تنفيذ برامج لدعم الاسر الفقيرة وهى عملية شائكة اذا أن اكثر من 80 في المائة من السكان يعتبرون فقراء بالاضافة الى مشاكل في البنية التحتية ومشاكل تتعلق بالمعلومات والبيانات، ولا ننسى مشاكل تفاقم الفقر التى افرزتها سياسات رفع الدعم وتحرير سعر صرف الجنيه ونسبة تضخم فاقت 380 في المائة، اما بالنسبة الى اشتراطات تثبيت استقرار الاقتصاد الكلى من خلال مؤشراجمالى الناتج المحلى (GDP)، ومؤشر اجمالى الناتج القومى (GNP) اعتقد ان هذا الشرط لن يلقى له بالا عند اتخاذ القرار باعتباره نتيجة لمجموعة سياسات صندوق في البلد المعنى ومدى نجاحها. لذلك ارى أن نقطة اتخاذ القرار في 28 يونيو 2021م سوف تكون في صالح السودان، لكن السؤال المهم هو هل تخفيف عبء الديون او الغاؤها سوف يكون لهتأثير مباشر على حياة المواطنين في المدى القريب (لا اعتقد ذلك)، وهل سوف يصبر المواطن على التضخم وانعدام الخدمات وضعفها يكون ذلك عربونا للاستقرارالسياسى وادامة الديمقراطية ؟، أيضا اشك في ذلك.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى