مقالات

هل تنهي حرب اوكرانيا هيمنة الدولار الأمريكي؟

بقلم د. عمر محجوب محمد الحسين

 

تراجَع نصيب الاحتياطيات من الدولار لدى البنوك المركزية إلى 59% أثناء الربع الرابع من عام 2020، وهو أدنى مستوى على مدار 25 عاما، وذلك طبقا لمسح (COFER) الذي أجراه صندوق النقد الدولي عن تكوين احتياطيات العملات الأجنبية الرسمية. وتفيد بعض التحليلات بأن هذا يعكس جزئيا تراجُع دور الدولار الأمريكي ودور الاقتصاد الأمريكي في الاقتصاد العالمي، في مواجهة المنافسة من العملات الأخرى التي تستخدمها البنوك المركزية في إجراء المعاملات الدولية؛ ورغم صعود الاقتصاد الصيني إلا انه يأتي في المرتبة الثانية بحساب الناتج المحلى الإجمالي الاسمي وعدم وجود روسيا ضمن قائمة أكبر 10 اقتصادات في العالم؛ لكن مع بداية الحرب الروسية الأوكرانية ربما نشهد تحالفا اقتصاديا بين الصين وروسيا وربما الهند التي لم تدين صراحة دخول روسيا الى أوكرانيا، وفي ظل تذبذب مواقف الدول الخليجية المنتجة للبترول، خاصة المملكة العربية السعودية التي وجدت نفسها مكشوفة الظهر مع قدوم الديمقراطيين الى رئاسة الولايات المتحدة الامريكية، وربما هذا ما فعها الى رفض زيادة انتاجها من البترول مع وجود ارهاصات بإمكانية بيع البترول الى الصين باليوان.

ونشير هنا الى أن الدولار الامريكي يتعرض منذ مطلع العام 2002 لانخفاضات متكررة وحادة وصلت أدنى مستوياتها مقابل العملات الرئيسية للدول الصناعية في يوليو من العام نفسه، وكان هذا الانخفاض في ذلك الوقتهو الأول من نوعه منذ ست سنوات سابقة من سيطرتالدولار الامريكي على أسواق العملات الأجنبية، وفي يوليو 2020م، عانى الدولار الأمريكي من أسوأ أداء شهري له منذ عقد من الزمان، وفي أكتوبر الماضي فقد الدولار الأمريكي تميزه باعتباره عملة المدفوعات العالمية الأكثر استخدامًا في العالم متراجعًا عن اليورو للمرة الأولى منذ أغسطس 2013؛ ويرى الخبير جولمان ساكس أن الدولار مرشح لهبوط أكبر في الفترة المقبلة ربما يصل إلى 20% من قيمته المسجلة في مارس الماضي رغم مؤشرات التعافي في الاقتصادي العالمي. والدولار كما نعلم يمثل عملة الولايات المتحدة الامريكية أكبر اقتصادات العالم؛ وتربط معظم دول العالم عملاتها بالدولار، أو بسلة عملات دول صناعية يمثل الدولار فيها وزناً نسبياً كبيراً؛ وهذا الوضع عزز دور الدولار كعملة محورية مهيمنة في الاقتصاد العالمي له قدرة كبيرة في الحد من الضغوط التضخمية للاقتصادات التي تربط عملاتها به. اذا ما الذى حدث ؟ مع بداية ازمة جائحة كورونا ارتفع الطلب على الدولار الامريكي بسبب المخاوف مما ادى الى ارتفاعه امام سلة العملات الستة الرئيسة، لكن يعتبر هذا السبب هو ايضا احد اسباب انخفاض قيمة الدولار، بالإضافة الى الانخفاض الحاد الذى حدث في اسعار البترول وتراجع الصادرات العالمية بسبب جائحة كورونا، حيث أن أكثر من 50% من صادرات العالم تتم بالدولار بما فيها البترولالذى تسعره دول منظمة أوبك بالدولار الامريكي؛ من جانب آخر نجد أن الولايات المتحدة سجلت ثاني أكبر عجز في ميزانيتها على الإطلاق بلغ 2.77 تريليون دولار للعام 2021، رغم أنه أقل من العجز القياسي الذي سجلته العام 2020، وبلغ 3.13 تريليونات دولار، وحزمة تسهيلات الإقراض التي قدمها بنك الاحتياطي الفيدرالي؛ وتسارع حالات الإصابة بالفيروس كورونا في الولايات المتحدة جعلها تتصدر بلا منازع قائمة الدول الأكثر تضرراً من الوباء مماادى الى تراجع الاقتصاد وفي نفس الوقت تهدد الجائحة وحِدتها إبطاء والعودة التدريجية للاقتصاد الامريكي، وعلى العكس من ذلك شهدت الصين وأروبا تحسن نسبي، ايضا توقع مكتب الموازنة في الكونجرس ارتفاع عجز الموازنة الأمريكية إلى 17.9% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام وهناك تقديرات تراجع معدل الادخار المحلي واتساع عجز الحساب الجاري، ولا ننسى ان النزعة القومية الاقتصادية للرئيس السابق دونالد ترامب هزت الثقة في مكانة الدولار حتى قبل جائحة كورونا، أيضا الاستخدامالمفرط للعقوبات يحمل في طياته مخاطر كبيرة على المدى الطويل؛ كل هذه الاسباب تشكل ضغطاً نحو هبوط الدولار، أيضا هذه الهبوط خلق عامل آخر ادى للهبوط، ومن ثم أثر على مجمل الاحتياطيات العالمية من الدولار، حيث تشير التقارير الى أن روسيا والصين تعززان من زيادة حصتهما من ارصدة الذهب وبالتالي خفض حصة الدولار مناحتياطياتهم، وفي تركيا وصل إجمالي مشتريات المركزي التركي من الذهب الى رقم قياسي بنهاية ديسمبر2021مإلى نحو 512.6 طن؛ وبصورة عامة شهد عام 2020م أعلى مستوى عمليات شراء الذهب (قدر بنحو 50 مليار دولار )منذ عام 1971م الذى حدث فيه اعلان الرئيس نيكسونبصورة منفردة تعليق ارتباط الدولار بمعيار الذهب.

في ظل وضع الدولار المتذبذب أوصت مجموعة (جي بي مورجان تشيس) اكبر بنوك الولايات المتحدة الامريكيةوثالث أكبر شركة مساهمة عامة في العالم و المزود الرئيسي للخدمات المالية، المستثمرين ببيع الدولار الأمريكي لصالح عملات مجموعة العشرة التي تتمتع حساباتها الجارية بفائض كبير، مثل الكرونة السويدية أو الين الياباني؛ ويرى خبراء أن ضعف الدولار يعني بالضرورة أنه يفقد نفوذه في العالمالدولار الباهظ هو أكبر تهديد لهيمنة الدولار، ، وقال آرون كانتريل مدير البحوث الاقتصادية في (Record Currency Management)الدولار الرخيص هو صديق الجميع. يقول الكاتب ( أليكس أنتز) أن التهديد الأكبر أصبح يأتي من الداخل نتيجة لسوء الإدارة المالية والنقدية بسبب حجم الدين الأمريكي الذى وصل بنهاية مارس 2020 الى أكثر من (23) تريليون دولار، وعجز الحساب الجاري، وعدم توافر الاحتياطيات الدولارية قد يؤثر على استقرار النظام العالم، التلاعب بالدولار حيث أشارت بعض التقارير الصادرة في عام 2019 إلى أن “ترامب” كان يفكر في بيع الدولار مقابل العملات الأجنبية الأخرى، وذلك لإضعاف قيمته، وبالتالي تعزيز الصادرات الأمريكية؛ إلا أنه تم رفض ذلك الاقتراح. رغم كل هذه المؤشرات يعتقد العديد من الاقتصاديين أن المخاوف بشأن زوال الدولار مبالغ فيه، وهم يجادلون بأن عددًا من العوامل قصيرة الأجل قد ساهمت في تراجعه، بما في ذلك التيسير النقدي القوي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والذي هدف إلى تعزيز السيولة خلال فترة الوباء.

فهل نشهد أداءً أكثر سوءاً للدولار في المدى القريبمع حملة روسيا على أوكرانيا والتحالف الاقتصادي الذي يلوح في الأفق بين الصين وروسيا ودول أخرى وحلمهما الكبير بخلق عالم متعدد الأقطاب والمراكز، وعدم فعالية العقوبات الاقتصادية على روسيا، وهل نحن حقا مقبلونعلى نهاية هيمنة الدولار وبداية نظام عالمي جديد، ونذكر هنا الرؤية المستقبلية لستيفن روش عضو جامعة يل الأمريكية والرئيس السابق لوحدة آسيا في بنك مورجان ستانلي حيث قال عصر الامتياز الباهظ للدولار كعملة احتياط عالمية يقترب من النهاية”، حيث قدر روش هبوطا للدولار قد يصل الى 35% لعملة لا زالت تعتبر حصتها الاكبر دوليا وتشكل 61.5% من الاحتياطيات العالمية، بينما يشكل اليورو 20.5% واليوان الصيني 1.9% من إجمالي الاحتياطات الدولية. لكن الصين تسعى الى تدويل الرنمينبي باعتباره عنصراً أساسياً في استراتيجية الصين للخروج من سياسة (إخفاء صعوده) وهذا التدويل سيجعل الصين لا تعتمد على الولايات المتحدة، ويساعدها في تطوير أسواقها، ويجعل شنغهاي مركزا ماليا بديلا، كما تسعى من خلال سياساتها استخدام مؤسساتها لتمويل وبناء البنية التحتية لما يصل إلى (68) دولة، ومع الحرب الروسية ضد أوكرانيا سوف يقوى مخطط دويل الرنمينبي من خلال إنشاء نظام تجاري يدور حول الشركات الصينية والروسية. من جانب آخر وفي ظل رواج الاقتصاد الرقمي، اكتسبت العملات الافتراضية المشفرة المزيد من الاهتمام من جانب المستثمرين عبر التعاملات الرقميةخاصة الروس والصينيين مع وقوف الولايات المتحدة الامريكية في الطرف المقابل الذي يسعى لمحاربة العملات المشفرة، والعملات المشفرة قد تصبح أساس لنظام مالي جديد، لا تسيطر عليه الولايات المتحدة وحلفائها، سواء في وول ستريت أو البنوك المركزية. هل ستكون حرب اوكرانيا بداية لانتهاء عصر هيمنة الدولار الأمريكي وتعزز تراجعه، أم سوف تعزز الولايات المتحدة سيطرتها كقطب أحادي،ويظل للدولار الكلمة العليا.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى