تقارير

منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان: مؤشرات اقتصادية مختارة، 2000-2019 #MENA

انخفض إجمالي الناتج المحلي الكلي بنسبة 0.2% في دول مجلس التعاون الخليجي في العام الماضي، حيث شهدت المملكة العربية السعودية أول انكماش اقتصادي لها منذ عام 2009. ويرجع ذلك غالبا لتأثير تخفيض إنتاج النفط بموجب اتفاق “أوبك + ” والذي فاق تأثير استمرار تعافي النمو غير النفطي في معظم البلدان. وفي الإمارات العربية المتحدة وقطر، اللتان شهدتا انخفاض الطلب المحلي نتيجة ضعف ثقة المستهلكين والمستثمرين، كان نمو إجمالي الناتج المحلي غير النفطي في عام 2017 أقل من مستواه في العام السابق. وفي البحرين، كان أثر ارتفاع النمو غير النفطي – مدعوما من المشروعات الممولة من مجلس التعاون الخليجي وقوة القطاع المالي وقطاع الضيافة أكبر من أثر انخفاض الناتج النفطي.

بلغ النمو الكلي 2.6% في البلدان المصدرة للنفط غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (عدا ليبيا واليمن) في عام 2017. ففي إيران، تباطأ النمو بشكل ملحوظ مقارنة بعام 2016. وكان نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي أبطأ بكثير من مستواه في العام السابق، فأدى إلى تجاوز أثر استمرار تعافي النشاط غير النفطي، المدعوم بالاستثمار العام. وفي الجزائر والعراق، أدى تحسن النشاط غير النفطي إلى تجاوز أثر الضعف الذي أصاب نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي في إطار اتفاق “أوبك + ” (وضعف الطلب من أوروبا على الغاز المنتج في الجزائر أكثر من المتوقع).

كانت نتائج النمو متفاوتة في البلدان المصدرة للنفط المتأثرة بالصراعات. ففي ليبيا، كان النمو الذي تجاوز التوقعات مدعوما بزيادة إنتاج النفط، وفاق أثر انخفاض الإنفاق العام. وفي اليمن، كان الانكماش الاقتصادي أوضح بكثير مما كان متوقعا في أكتوبر الماضي مع استمرار الآثار الناجمة عن الصراع.

التعافي في 2018-2019 تدفعه قوتان متعارضتان

بينما تشير تقديرات النمو إلى بلوغه أدنى مستوياته في عام 2017، فإن آفاق النمو الكلي لم تتغير إلا بدرجة طفيفة مقارنة بتوقعات أكتوبر الماضي. ومن المتوقع أن تتسارع وتيرة النشاط الاقتصادي في 2018-2019، وإن كانت ستظل منخفضة على المدى المتوسط مقارنة بمستويات ما قبل عام 2014 (الشكل البياني 1-1). وعلى وجه التحديد، من المتوقع أن يبلغ النمو الكلي 2.8% في العام الجاري و3.3% في عام 2019 (مقابل 3% و2.7% حسب توقعات شهر أكتوبر). ومن المتوقع أن يبلغ نمو إجمالي الناتج المحلي غير النفطي 3.2% في العام الجاري و 3.4% في العام القادم، أي بارتفاع قدره 0.7 نقطة مئوية و0.4 نقطة مئوية، على الترتيب، مقارنة بأكتوبر الماضي. وترجع هذه التغيرات لتأثير قوتين متعارضتين (الشكل البياني 1-2):

رفع توقعات نمو إجمالي الناتج المحلي غير النفطي في عامي 2018 و2019 مقارنة بتنبؤات أكتوبر 2017 في العديد من البلدان: فمن المتوقع حاليا أن يكون التباطؤ في البحرين بوتيرة أكثر تدرجا (مع توقع الانتهاء من المشروعات الاستثمارية). وفي الوقت نفسه، من المنتظر تحقيق تحسن أسرع في كل من المملكة العربية السعودية (مما يرجع جزئيا إلى تباطؤ وتيرة الضبط المالي كما يرد لاحقا في هذا التقرير)، والجزائر (غالبا نتيجة زيادة الإنفاق الرأسمالي العام)، والعراق (نتيجة إعادة الإعمار).

خفض توقعات إجمالي الناتج المحلي النفطي في عام 2018 في معظم دول مجلس التعاون الخليجي والعراق مقارنة بأكتوبر الماضي. ويرجع هذا التعديل إلى انخفاض إنتاج النفط تماشيا مع تمديد العمل باتفاق “أوبك + “. وبالنسبة لعام 2019 فإن تأجيل موعد انتهاء العمل بالاتفاق يعني أن نمو إجمالي الناتج المحلي النفطي سيرتفع بوتيرة أسرع من المتوقع في شهر أكتوبر، لا سيما في دول مجلس التعاون الخليجي.

تعديل وتيرة الضبط المالي

تم تعديل وتيرة الضبط المالي في البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان (الشكل البياني 1-3). ففي عام 2017، كان التصحيح المالي في المملكة العربية السعودية أقل مما ورد في الميزانية في البداية حيث كان ارتفاع النفقات مدعوما بارتفاع أكثر من المتوقع في الإيرادات غير النفطية. وفي قطر، سمحت الهوامش الوقائية المتاحة في المالية العامة بإجراء الضبط المالي بوتيرة أكثر تدرجا مما كان متوقعا. وفي البلدان غير الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، تواصلت جهود الضبط المالي في عام 2017، وخاصة في إيران والعراق (في إطار البرنامج الذي يدعمه صندوق النقد الدولي).

وعلى وجه الإجمال، من المتوقع أن تواصل البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان جهودها لضبط أوضاع المالية العامة، وإن كان بوتيرة أبطأ. ومع ذلك، من المتوقع أن تؤدي الزيادات الكبيرة في النفقات إلى زيادة أكبر في مستويات العجز المالي في الجزائر، حيث يٌتوقع استئناف الضبط المالي في عام 2019، وفي إيران.

وقد استهدفت جهود الضبط المالي الإيرادات والنفقات على حد سواء. وتشمل التدابير التي استهدفت الإيرادات مؤخرا تطبيق ضريبة القيمة المضافة في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة (في يناير 2018)، مع توقع تطبيقها في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى في العام الجاري. وبالمثل، من المتوقع أن يستحدث العراق ضرائب مبيعات وضرائب انتقائية على بعض السلع والخدمات في عام 2018. لكن بوسع بلدان المنطقة بذل مزيد من الجهود لتعبئة الإيرادات غير النفطية، مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة في باقي دول مجلس التعاون الخليجي باعتبارها من أهم الأولويات.

وعلى جانب النفقات، فإن تحسين كفاءة الإنفاق العام هو من الأولويات أيضا. فمؤشرات كفاءة الاستثمار العام تشير إلى أن أداء البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان أفضل من أداء الأسواق الصاعدة في المتوسط، لكن هناك فجوة كبيرة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.

ويمكن زيادة كفاءة الإنفاق من خلال احتواء فواتير أجور القطاع العام الكبيرة التي تزاحم مكونات الإنفاق العام الحيوية الأخرى (الشكل البياني 1-4؛ الإطار 1-1). وبدون إجراء مزيد من الإصلاحات الهيكلية قد يتعذر الإبقاء على التدابير المتخذة حتى الآن (بما فيها تجميد التعيينات مؤقتا).

ومن الإصلاحات الأخرى المطلوبة اتخاذ خطوات إضافية نحو الإلغاء التام لدعم الطاقة، وإجراء تغييرات في نظم معاشات التقاعد والضمان الاجتماعي بما في ذلك تعديل سن التقاعد والمزايا التقاعدية. لكن حتى يتسنى تخفيف أثر هذه الإصلاحات على الفئات محدودة الدخل وجعلها إصلاحات منصفة، يجب أن تقترن بتحسين آليات الحماية الاجتماعية الموجهة للمستحقين، وتحسين سبل توصيل الخدمات العامة والحصول عليها.

احتمال نشوء مخاطر مالية عامة وتمويلية كبيرة

رغم أن الدين العام لا يزال في حدود يمكن التعامل معها في معظم البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، فإن التراكم السريع للدين في كثير منها يعد من بواعث القلق. فقد ارتفع مستوى الدين بمتوسط 10 نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي كل عام منذ عام 2013، حيث قامت البلدان بتمويل عجز المالية العامة الكبير عن طريق الجمع بين عمليات السحب من الهوامش الوقائية (لدى توافرها)، وزيادة الاقتراض المحلي والخارجي (راجع الفصل الأول من عدد أكتوبر 2017 من تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي: الشرق الأوسط وآسيا الوسطى). وفي المرحلة المقبلة، هناك عدة عوامل من الأرجح أن تستمر في دفع الدين نحو الارتفاع في البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، منها تباطؤ وتيرة الضبط المالي، وآفاق النمو الضعيفة، وإمكانية ارتفاع تكاليف التمويل في ظل التشديد المتوقع للسياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة.

ونظرا للاحتياجات التمويلية المتوقعة حيث يُتوقع أن يبلغ عجز المالية العامة الكلي التراكمي 294 مليار دولار في الفترة 2018-2022، بينما يبلغ استهلاك الدين الحكومي التراكمي 71 مليار دولار في نفس الأفق الزمني سيتزايد تعرض بلدان المنطقة لمخاطر تشديد الأوضاع المالية العالمية بصورة مفاجئة. وعلى سبيل المثال، مع مراعاة إجمالي الاحتياجات التمويلية لعام 2018، نجد أن ارتفاعا قدره 200 نقطة أساس في أسعار الفائدة سيؤدي إلى زيادة في مدفوعات الفائدة تتراوح بين 0.1% و0.6% من إجمالي الناتج المحلي سنويا في البلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان، مما يزيد من التحديات الحالية التي تواجه المالية العامة. وهناك مبلغ إضافي قدره 312 مليار دولار من الديون الدولية الصادرة عن جهات غير حكومية (حوالي 40% منها يخص شركات مملوكة للدولة) يستحق سدادها خلال السنوات الخمس القادمة. لذلك، قد يكون الأثر على المالية العامة أكبر إذا ما تعرضت البلدان أيضا لتوقف مفاجئ في قدرتها على النفاذ إلى الأسواق الدولية مما يؤدي إلى استحقاق الالتزامات الاحتمالية (الشكل البياني 1-5).

البنوك قوية لكن نمو الائتمان ضعيف

رغم تباطؤ النشاط الاقتصادي في عامي 2016 و2017، فقد ظلت القطاعات المالية محتفظة بصلابتها بوجه عام. ومع ذلك، لا يزال نمو الائتمان منخفضا في معظم البلدان، مما يرجع جزئيا لضعف الإنفاق الاستهلاكي والحكومي وإنفاق المؤسسات المرتبطة بالحكومة، إلى جانب انخفاض مستوى الثقة (الشكل البياني 1-6). وأدى ذلك إلى اتخاذ بعض تدابير السياسة لتسهيل الحصول على التمويل. ففي الإمارات العربية المتحدة، على سبيل المثال، ساعد البدء في استخدام سجل ائتماني على تحسين إدارة البنوك لمخاطر الائتمان. وقد أجريت أيضا إصلاحات أخرى. فعلى سبيل المثال، في المملكة العربية السعودية، تم تخفيف قيود سوق رأس المال على المستثمرين الأجانب، وزيادة نسبة القرض إلى القيمة بالنسبة لمشتري المنازل لأول مرة. ورغم أن هذه الإصلاحات لا تعد نتيجة مباشرة لضعف نمو الائتمان، فإنها قد تدعم تحقيق تعاف أسرع. ولتحسين مستوى الثقة وتشجيع منح الائتمان، ينبغي على البلدان أيضا تعزيز الحقوق القانونية للمقترضين والمقرضين، وتوفير المزيد من المعلومات الائتمانية. وفي إيران، تراجع أثر النمو الائتماني السريع على النشاط غير النفطي مع استمرار ارتفاع مستويات القروض المتعثرة.

وواصلت أسعار الفائدة بين البنوك ارتفاعها مع تشديد السياسة النقدية بالتزامن مع تشديد السياسة النقدية في الولايات المتحدة، غير أن فروق العائد على السندات السيادية انخفضت في ظل تخفيف القيود الحكومية على النقد مع ارتفاع أسعار النفط. ولا يزال نمو الودائع بطيئا، وإن ظل مستقرا إلى حد كبير في مختلف دول مجلس التعاون الخليجي. ورغم تراجع ربحية البنوك نتيجة انكماش هوامش الربحية في العديد من البلدان، فإن القروض المتعثرة لا تشكل على ما يبدو مصدر قلق كبير في بلدان كثيرة. ورغم أن زيادة تراكم المتأخرات الحكومية أدت إلى ارتفاع مستوى القروض المتعثرة في الجزائر، فمن المتوقع أن يتراجع مستوى هذه القروض مع تسوية المتأخرات. ومع ذلك، لا تزال الأجهزة المصرفية في إيران والعراق تواجه العديد من التحديات التي ستكون محور الإصلاحات المتوقع تنفيذها في العام الجاري. وقد تأثرت الأسواق المالية في مختلف بلدان المنطقة بشكل محدود بالموجة الأخيرة من التقلبات في أسواق الأصول العالمية. وتشير هذه التحركات إلى أن المنطقة ليست معزولة عن التطورات المالية العالمية، كما تؤكد أهمية تحسين التنظيم والرقابة الاحترازيين.

تعجيل تنفيذ جدول أعمال الإصلاحات الهيكلية

نظرا لأن توقعات النمو منخفضة مقارنة بالمستويات التاريخية، هناك أهمية قصوى لتعجيل تنفيذ جدول أعمال الإصلاحات الهيكلية والتحول إلى نموذج جديد للنمو يعزز تنويع الاقتصاد وتطوير القطاع الخاص. وسيكون من الضروري إجراء إصلاحات سوق العمل والتعليم التي تعزز الإنتاجية وتخلق الفرص للجميع. ورغم اتخاذ بعض الخطوات المهمة، فلا يزال هناك المزيد مما ينبغي عمله. فعلى سبيل المثال، تواصل الإمارات العربية المتحدة الاستثمار في التعليم والابتكار، في حين أن وضع قانون جديد مؤخرا حول إفلاس الشركات سيساهم في تحسين بيئة الأعمال. وفي نفس الوقت، تعمل إيران على وضع برامج لتعزيز توفير فرص العمل للشباب والنساء. كذلك طبقت البحرين نظاما لحماية الأجور واتخذت تدابير مهمة لزيادة مرونة توظيف الوافدين. وفي قطر، أُعلن مؤخرا عن برنامج للإعفاء من تأشيرة الدخول بهدف تنشيط السياحة، إلى جانب قانون جديد يهدف إلى زيادة حماية العمالة الوافدة. لكن هذه الإصلاحات ينبغي أن تدعمها جهود تستهدف زيادة الشفافية والمساءلة، وتقوية مؤسسات وآليات الحوكمة. وكما أقر صناع السياسات في مراكش (الإطار 1-2)، فإن الالتزام باستكمال هذه الإصلاحات سيكون بالغ الأثر في تحقيق نمو أعلى وأكثر احتوائية.

كفة التطورات السلبية لا تزال هي الأرجح في ميزان المخاطر

على وجه الإجمال، لا تزال كفة ميزان المخاطر مائلة نحو الجانب السلبي. فهناك قدر كبير من عدم اليقين يحيط بتوقعات أسعار النفط (راجع قسم التطورات العالمية). فكل تراجع في أسعار النفط بمقدار 10 دولارات يؤدي إلى تدهور فوري قدره 3 نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي في رصيد المالية العامة للبلدان المصدرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان (عدا ليبيا واليمن). وإلى جانب ما سبق ذكره من تأثير مباشر على المالية العامة، فإن تضييق الأوضاع المالية بشكل أسرع من المتوقع قد يؤدي إلى تصحيحات مفاجئة في الأسواق المالية وأسعار الأصول، مما يفرض الضغوط على جودة أصول البنوك. وقد يؤثر ذلك على نمو الائتمان ويؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في المنطقة. وقد يتدهور النشاط الاقتصادي أيضا إذا ما تسبب ارتفاع الرسوم الجمركية على الواردات أو التحول نحو سياسات إنغلاقية في اضطراب التجارة والاستثمار على مستوى العالم، وأسفر عن انخفاض أسعار النفط. وعلى مستوى المنطقة، لا تزال الصراعات والمخاطر الجغرافية-السياسية قائمة، وقد يَضعُف الالتزام بتنفيذ تدابير المالية العامة والإصلاحات الهيكلية الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار النفط مؤخرا. وفي المقابل، فإن استمرار الالتزام بإجراءات الضبط المالي، وإن كان بوتيرة أبطأ، يمكنه تعزيز ثقة المستثمرين وتحقيق نمو أقوى.

الإطار 1-1: خلق حيز مالي: ضرورة إصلاح فواتير أجور القطاع العام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان 1 ينبغي على بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان تشجيع النمو الأعلى والأكثر احتوائية، وخلق فرص عمل لشبابها وسكانها الذين تتزايد أعدادهم بسرعة (راجع الإطار 1-2). غير أن بلدانا كثيرة شهدت تخفيضات كبيرة في الحيز المالي المتاح للاستثمار العام في البنية التحتية ورأس المال البشري. ومن الناحية التاريخية، استخدمت معظم بلدان المنطقة سياسات التوظيف والتعويضات في القطاع العام لتحقيق أهداف اجتماعية/اقتصادية متعددة، منها التوظيف وإعادة توزيع الثروة. ونتيجة لذلك، ارتفعت فواتير أجور القطاع العام وأصبح عدد العاملين في القطاع العام كبيرا مقارنة بالنظراء على مستوى العالم. كذلك يعد حجم التعويضات في القطاع العام أعلى مقارنة بالقطاع الخاص في كثير من الحالات. فعلى سبيل المثال، تبلغ الفجوة بين متوسط أجور القطاعين العام والخاص حوالي 200% في دول مجلس التعاون الخليجي. ورغم أن فواتير الأجور في القطاع العام مرتفعة، لا تزال النتائج الاجتماعية-الاقتصادية في المنطقة دون المستوى المرغوب. فقد ظلت معدلات البطالة مرتفعة، كما أدت التعويضات المبالغ فيها في القطاع العام إلى تشويه أسواق العمل. وتعد كفاءة الحكومة أقل مقارنة بالنظراء، وتسببت بيئة الأعمال والبيئة التنظيمية في تقييد نشاط القطاع الخاص؛ وتبين الاختبارات القابلة للمقارنة على المستوى الدولي أن جودة التعليم ضعيفة، وأن هناك تباين في فرص الحصول على الرعاية الصحية العامة وفي جودتها. وباستكمال إصلاحات فواتير أجور القطاع العام بإصلاحات أخرى، مثل إصلاحات دعم الطاقة واعتماد نظم ضريبية عادلة، يصبح بوسعها المساهمة في زيادة الاستثمار في البنية التحتية والحماية الاجتماعية. ويمكن أن يؤدي هذا، إلى جانب تحسين كفاءة وجودة الخدمات العامة وإزالة تشوهات سوق العمل، إلى تشجيع نمو القطاع الخاص وخلق فرص العمل فيه فهو مصدر توظيف أكثر استمرارية لملايين الشباب الذين يدخلون سوق العمل كل عام. وقد بدأ صناع السياسات بالفعل في تقييم فواتير أجور القطاع العام في إطار إصلاحات المالية العامة. واتخذت بعض البلدان، ومنها الجزائر ومصر والعراق والمغرب وتونس، تدابير، مثل تجميد الأجور والتعيينات، لتعديل سياسات التوظيف والتعويضات في القطاع العام. غير أن التجارب الدولية تشير إلى أن المكاسب الناشئة عن هذه التدابير يصعب الحفاظ عليها على المدى المتوسط. ولتحقيق آثار دائمة، يتعين على البلدان تنفيذ إصلاحات أعمق. ويمكن لهذه الإصلاحات (1) التأكد من أن سياسات التوظيف والتعويضات في القطاع العام تتسم بالاستدامة المالية من خلال تحديد العوامل المحركة لفواتير الأجور العامة والاعتماد في زيادتها على خطط متوسطة الأجل للمالية العامة؛ و(2) التركيز في سياسات التوظيف والتعويضات على توفير الخدمات العامة بفعالية وكفاءة وإنصاف من خلال إجراء مراجعات للإنفاق وتعزيز آليات توصيل الخدمات العامة؛ و(3) تقوية المؤسسات ونظم البيانات، بما في ذلك السيطرة على العلاوات والبدلات، وربط التعويضات بالأداء. وينبغي أن يعكس تسلسل إصلاحات فواتير أجور القطاع العام الظروف الخاصة بكل بلد وأن يهدف إلى بناء أوجه التضافر مع السياسات الأخرى. وينبغي كذلك الاهتمام بصفة خاصة بسلاسة عملية التحول من خلال إجراء تحليلات مبكرة للأثر الاجتماعي وتعزيز الحماية الاجتماعية، كما ينبغي دعم القطاع الخاص من خلال اتخاذ خطوات لتنويع الاقتصاد وتقوية الحوكمة وتحسين بيئة الأعمال ورفع كفاءة سوق العمل. 1هذا الإطار من إعداد غايل بيير، استنادا إلى دراسة Tamirisa, Duenwald, and others (2018) .

الإطار 1-2: خطة عمل للنمو الاحتوائي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان 1 تتمتع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان بإمكانات واعدة كبيرة، ولكن طول أمد الصراعات الإقليمية، وهبوط أسعار السلع الأولية، وانخفاض الإنتاجية، وضعف الحوكمة تعرقل أداءها. ومنذ عام 2011، بلغ معدل النمو الإقليمي ثلاثة أرباع متوسط العقد السابق، وهو معدل غير كاف لإحداث خفض ملموس في البطالة. فحوالي 25% من الشباب يعانون من البطالة، كما أن احتمالات بحث النساء عن عمل أقل بمقدار ثلاثة أضعاف مقارنة بالرجال. وللاستفادة من فترة الانتعاش العالمي، يجب على بلدان المنطقة التعجيل بالإصلاحات لإعطاء دفعة للنمو وخلق فرص العمل، والاستفادة من مواهب شبابها ونسائها. وقد ناقش مؤتمر “الازدهار للجميع” الذي عُقد في المغرب في يناير 2018 كيفية تحديد مصادر جديدة للنمو وتدابير السياسة اللازمة لجعل النمو أكثر احتوائية وأكثر قدرة على توفير فرص العمل. وقد شارك في استضافة المؤتمر حكومة المملكة المغربية، والصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، وصندوق النقد العربي، وصندوق النقد الدولي، وحضر المؤتمر أكثر من 400 ممثل عن القطاعين الرسمي والخاص، والشباب والمجتمع المدني. ووافق الحاضرون في المؤتمر على مجموعة من أولويات الإصلاح، تم تلخيصها في دعوة مراكش للعمل. وتدعو هذه الاتفاقية الحكومات إلى “التحرك الآني” لاتخاذ الإجراءات التي تشجع ما يلي : المساءلة : زيادة الشفافية وتقوية المؤسسات لتحسين الحوكمة والتصدي للفساد وضمان المسؤولية عن السياسات الاحتوائية . المنافسة: العمل على إيجاد قطاع خاص أكثر حيوية من خلال تحسين فرص الحصول على التمويل وتحسين بيئة الأعمال مع تقليل الحواجز وتخفيف الروتين الإداري . التكنولوجيا والتجارة : الاستفادة من إمكانات التكنولوجيا وتنمية التجارة لتوليد مصادر جديدة للنمو، وخلق فرص العمل، وتعزيز الرخاء . عدم إغفال أحد: بناء شبكات أمان اجتماعي قوية وتعزيز الحقوق القانونية لتمكين المجموعات الأقل حظاً، ومنها الشباب والنساء وسكان المناطق الريفية واللاجئين. الفرصة: زيادة الإنفاق الاجتماعي والاستثماري وتحسين جودته، واعتماد نظم ضريبية أكثر عدالة لدعم النمو وتحسين المستويات المعيشية للمواطنين وزيادة الإنصاف في توزيع عبء الإصلاح. القوى العاملة: الاستثمار في الموارد البشرية وإصلاح التعليم لتسليح العاملين بالمهارات اللازمة في الاقتصاد الجديد. كذلك تم التأكيد على أهمية المجتمع المالي الدولي في هذه العملية. ويعتبر تحقيق نمو أقوى وأكثر احتواءً للجميع بمثابة مسؤولية مشتركة وأمراً بالغ الأهمية ليس للمنطقة فقط وإنما لبقية العالم أيضاً. وهناك حاجة لدعم المنطقة بمزيد من التمويل الخارجي، ويفضَّل أن يقدَّم من خلال المِنَح، لا سيما لمساعدة البلدان في مرحلة ما بعد الصراعات والنازحين من جراء الحروب. وباستشراف المستقبل، ستكون هناك حاجة إلى إصلاحات مجدية لتفعيل دعوة مراكش للعمل وهو ما يستلزم شعورا قويا بملكية الإصلاحات ومشاركة من جميع الأطراف. وقد أكد المشاركون في المؤتمر على استمرار الحاجة إلى عمل الكثير رغم تحقيق بعض التقدم في السنوات العديدة الماضية. وستكون دعوة مراكش للعمل مرشدا لصندوق النقد الدولي في عمله مع صناع السياسات والأطراف المعنية في المنطقة، وأيضا في إجراء تحليلاته. وسيعمل صندوق النقد الدولي بشكل وثيق مع بلدانه الأعضاء، ومنظمات المجتمع المدني من القطاع الخاص، والمؤسسات المالية الدولية للمساعدة في تنفيذ الإصلاحات في المنطقة من أجل رفع النمو ومستويات المعيشة في المنطقة وتحقيق مستقبل أكثر رخاء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى