تقارير

مع تصاعد أهمية العملة الصينية.. هل نتجه نحو نهاية عهد الدولار؟


يتعرض الدولار لتهديدات على جبهات عديدة. ولكن حتى الآن، يظل من غير الممكن الاستغناء عن هذه العملة وسيكون من الصعب استبدالها حتى في ظل تصاعد أهمية عملة الرنمينبي الصينية.

وذكر الكاتب نيكولاس غالنت، في تقرير نشرته مجلة كابيتال الفرنسية، أن الدولار يخضع بصفة منتظمة لكثير من الانتقادات.

وبمناسبة مؤتمر جاكسون هول -وهو اجتماع سنوي ضخم يلتقي فيه محافظو البنوك المركزية عُقد في شهر أغسطس/آب الماضي بمدينة وايومنغ- ندّد محافظ بنك إنجلترا المركزي، مارك كارني، بالدور “المزعزع للاستقرار” الذي يلعبه الدولار في الاقتصاد العالمي.

عملة احتياط بديلة
وقال كارني إنه قد يتعين على البنوك المركزية التوحد من أجل إنشاء عملة احتياطية بديلة، وأكد أنه “في الوقت الذي يحصل فيه إعادة تنظيم الاقتصاد العالمي، يظل الدولار مهما تماما مثلما كان خلال انهيار (نظام غطاء الذهب) بريتون وودز”، وهي الاتفاقية التي جعلت الدولار عملة مرجعية في أوائل السبعينيات.

وما زال الدولار يُستخدم في معاملات نصف التجارة العالمية على الأقل، وهو ما يتجاوز حصة الولايات المتحدة من الواردات العالمية من البضائع بخمسة أضعاف، مما تسبب في ظهور الطلب على الأصول الأميركية وعرّض العديد من البلدان لمواجهة التداعيات السلبية لتقلبات الاقتصاد الأميركي، وفقا لما أفادت به رويترز.

واقترح مارك كارني “استبدال عملة إلكترونية بالعملة الأميركية”، على غرار عملة فيسبوك المشفرة “ليبرا”، مشيرا إلى أن هيمنة الدولار على النظام المالي العالمي قد زادت من مخاطر الوصول إلى وضع “مصيدة السيولة” أي أسعار فائدة منخفضة للغاية متلازمة مع نمو منخفض.

لكن هل يمكن حقا التشكيك في هيمنة الدولار؟

الدولار ملك العملات دون منازع
يقول الكاتب إن الدولار الأميركي سيطر بشكل مستمر على معاملات صرف العملات منذ الحرب العالمية الثانية.

ونقل عن خبير في الاستثمار بمجموعة ميرابو، جون بلاسارد “لقد فرض الدولار نفسه باعتباره أول عملة احتياط والخيار الأول للبنوك المركزية. ويمثل احتياطي النقد الأجنبي لهذه البنوك بالدولار 6740 مليار دولار في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، أي ما يعادل 61.8% من مستوى الاحتياطيات المخصصة”.

وفي الواقع، يتعلق الأمر بأصول مالية مقوّمة بالدولار تحتفظ بها بنوك مركزية (باستثناء نظام الاحتياطي الفدرالي) في احتياطي النقد الأجنبي الخاص بها، كما يشير تقرير مجلة كابيتال.

ما أسباب هيمنة الدولار؟
ينقل الكاتب عن الخبير جون بلاسارد أن هناك أربعة أسباب رئيسة تُفسر هيمنة الدولار على التجارة الدولية:

1- استقرار الاقتصاد الأميركي وهو السبب الأول للاستثمار والثقة بالدولار.

2- دعم الصادرات، حيث جمّعت البلدان الآسيوية على وجه الخصوص الدولارات للحفاظ على عملاتها الخاصة من سعر صرف منخفض.

3- الحضور الطاغي للدولار في الخزائن العالمية نتيجة الإفراط في إصدار سندات الدين الأميركية.

4- من أجل تجنب مواجهة مشكلة دين محلي بالدولار، كما حدث في عام 1997 أثناء الأزمة الآسيوية، تأخذ بعض الدول مخاطرالصرف بالحسبان من خلال شراء العملة الأميركية.

تقلّص الآمال بدور اليورو 

في نهاية عام 2001، اختفت العملات الوطنية للاتحاد الاقتصادي والنقدي (أو منطقة اليورو) لصالح العملة الموحدة. وكانت السلطات الأوروبية المتفائلة آنذاك تأمل في أن يفقد الدولار تدريجيا “حصصا بالسوق” التي يستحوذ عليها لصالح اليورو.

لكن اضمحلّ هذا التفاؤل- يقول الكاتب- مع أزمة الديون التي عرفتها منطقة اليورو.

وينقل الكاتب عن الخبير نفسه، “ظلت حصة العملة الموحدة في احتياطي النقد الأجنبي عالقة في حدود 20%”.

ووفقا لأحدث الأرقام المتاحة التي تشمل الأشهر الثلاثة الأولى من العام الجاري، تبلغ حصة اليورو 20.2%، مقابل 61.8% للدولار.

 قوة الرنمينبي 

يعتبر بروز الرنمينبي عملة رسمية في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2016 -حيث تم إدراج العملة الصينية ضمن سلة عملات الاحتياط لدى صندوق النقد الدولي- أبرز تغيير رئيس حدث خلال الأعوام العشرين الماضية.

ويشير بلاسارد إلى أنه “أصبحت العملة الصينية عملة احتياط عالمية رسمية، (لكن) في الفترة الأخيرة، خابت التوقعات التي ظنت أنه بإمكان الرنمينبي تعويض الدولار سريعا بسبب التباطؤ الاقتصادي الصيني والتوترات التجارية مع واشنطن”.

و”مع مرور الوقت، يميل الرنمينبي إلى اكتساب مزيد من النفوذ. لكن بحصة لا تصل إلى 2% من احتياطيات النقد الأجنبي للبنوك المركزية. وما زال الرنمينبي يحتل المرتبة الخامسة في ترتيب العملات العالمية”، وفق تقرير مجلة كابيتال.

الدولار ملك العملات لبعض الوقت

أشار الكاتب إلى أن حصة الدولار، التي تبلغ حاليا 62% تقريبا، انخفضت بشكل مطرد على مدار العقود الماضية، حيث كانت في حدود 70% في بداية القرن الحالي، مقابل 80% في السبعينيات، وذلك وفقا لما أورده جون بلاسارد.

وعلى الرغم من أنه لا يمكن التشكيك في هيمنة الدولار حتى الآن، إلا أنه لدى بكين آمال كبرى في الرنمينبي، كما يقول التقرير.

وينقل التقرير عن بلاسارد أن حوالي 25% من صادرات الصين تتم بالرنمينبي، الذي أصبح العملة الرئيسة المستخدمة في بعض المناطق.

ومنذ عدة سنوات، لا تخفي الحكومة الصينية أن أحد أهدافها يتمثل في تحويل العملة الصينية إلى إحدى عملات الاحتياط الرئيسة في العالم بحلول عام 2030.

وفي عام 2014، صرّح نائب محافظ البنك المركزي الصيني، يي قانغ، بأنه “لم يعد من مصلحة الصين تجميع احتياطيات العملات الأجنبية”.

ومع ذلك، فإن التغيير الجذري في احتياطيات النقد الأجنبي للحكومة الصينية لا يزال حديث العهد، لذلك سيستغرق وصول الرنمينبي إلى مستوى الجنيه الإسترليني وقتا طويلا، وفق المصدر نفسه.

وأوضح بلاسارد أنه في ظل هذه الظروف، لا ينبغي أن تشعر السلطات الأميركية بالقلق بشأن الدولار، في المستقبل القريب، سواء بسبب عملة تقليدية أو عملة مشفرة لم يُحدد إطارها القانوني إلى الآن.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: