تقارير

لماذا أصبحت العملات الرقمية تمثل ضجة في عالم الاستثمار؟

تُعرَف مدينة ميامي بمكافحة التمويل المؤسسي أو هكذا بدا الأمر في الرابع والخامس من يونيو/حزيران الماضي، عندما ارتدى 12 ألف شخص البدلات وملابس المهرجانات والقبعات على شكل حوت في أكبر مؤتمر “بتكوين” (bitcoin) في العالم، وأشاد معلمو التشفير -مثل جاك دورسي رئيس تويتر- بأولئك الذين يسعون جاهدين من أجل تحقيق الثروة والحرية، وثارت الحشود عندما أعلن رئيس السلفادور نجيب بوكيلي عن خطط لطرح مناقصة قانونية لعملة البتكوين.

وبعد بلوغها عامها الـ13، أصبحت عملة البتكوين تمثل ضجة كبيرة في عالم الاستثمار. وفي المقابل، بغض النظر عن حماس بوكيلي، فإنها تظل وسيلة مكلفة وغير مستخدمة للتبادل، وفي غضون ذلك، تتدفق مجموعة من العملات المشفرة الأصغر، وتمثل بتكوين 40% من القيمة الإجمالية لجميع العملات المشفرة اليوم، مقارنة بحوالي 70% في يناير/كانون الثاني الماضي. وفي هذا الشأن، قال إيلون ماسك -ملياردير السيارات الكهربائية الذي يبدو أن تغريداته تؤثر على أسواق العملات المشفرة- إنه يفضل المنافسين الأصغر في الوقت الراهن.

وقالت صحيفة “الإيكونوميست” (economist) البريطانية -في تقريرها- إن العديد من العملات المدرجة في البورصات هي “عملات رمزية”، والتي يمكن أن تصبح بمثابة أدوات للتكهّنات، ولكنها -على عكس “العملات المعدنية”- لا تطمح إلى تبني الوظيفة الكاملة للمال. ويتمثل الغرض من العملات الرمزية “الأمنية” -مثل الأسهم والسندات- في الاستثمار، حيث تمثل ملكية الشركات أو الأصول الأخرى المسجلة في دفتر الحسابات.

وفي الوقت نفسه، تعتبر العملات الرمزيّة الخاصة “بالمرافق العامة” أرصدة قابلة للتداول يمكن شراؤها واستخدامها مقابل الخدمات، فعلى سبيل المثال، تبيع تبادلات العملات المشفرة العملات الرمزية التي يستخدمها المقامرون لدفع رسوم المعاملات.

ولا يؤدي ذلك سوى إلى رسملة سوقية تتجاوز 100 مليون دولار لحوالي 110 من العملات النقدية من أصل 776، وينقسم المتنافسون الأكثر جدية إلى فئتين، حيث تسعى “نسخ البتكوين” إلى إصلاح عيوب العملة المشفرة لتصبح وسيلة للدفع، بينما تهدف “نسخ الإيثر” إلى أداء وظائف جديدة.

بعد بلوغ البتكوين عامها الـ13 أصبحت تمثل ضجة كبيرة في عالم الاستثمار (شترستوك)

عوائق

وتتمثل إحدى المشاكل المتعلقة بعملة البتكوين في تقلبها، ففي غضون ساعات قليلة في 19 مايو/أيار الماضي -على سبيل المثال- انخفضت قيمتها بنسبة 30%، ولتجنب مثل هذه التقلبات، يتتبع ما يسمى “بالعملات المستقرة” العملات الصادرة عن الحكومة بدلا من ذلك.

وأضافت الصحيفة أن النسخ الأخرى تحاول إصلاح المشاكل التي تتحور حول خصوصية البتكوين، ونظرا لأن جميع معاملات البتكوين يقع تسجيلها على قاعدة البيانات العامة “بلوك تشين” (Blockchain)؛ فإنها تترك أثرا.

وفي السابع من يونيو/حزيران الماضي، قال المسؤولون الأميركيون إنهم استردوا فدية بقيمة 2.3 مليون دولار، كانت قد دفعت بعملة البتكوين للمخترقين الذين أغلقوا شركة “كولونيال بايبلاين” (Colonial Pipeline) في مايو/أيار الماضي بعد اكتشاف المحفظة الافتراضية التي استخدموها. وتحاول بعض العملات المعدنية إخفاء هوية صاحبها قدر الإمكان باستخدام تقنية الإخفاء، فعلى سبيل المثال، تحاول عملة “مونيرو” (Monero) أن تمنع ربط التدفقات بهوية ثابتة أو تتبع الأموال أو مراقبة حجم الصفقة.

ما تزال النسخ الأخرى تحاول جعل معالجة المدفوعات أرخص وأسرع، ولضمان شرعية المعاملات دون الاعتماد على سلطة مركزية؛ تعتمد عملة البتكوين على بروتوكول “إثبات العمل”، حيث يتنافس “المعدّنون” للتحقق من صحة المعاملات عن طريق حل المشاكل الرقمية التي تستغرق وقتا طويلا.

مع ذلك، فإن الطريقة التي صممت بها البتكوين تجعلها قادرة على التعامل مع حوالي 7 معاملات فقط في الثانية؛ ولذلك قام منشئ “لايتكوين” (Litecoin) بتعديل الخوارزمية بحيث تتم معالجة المجموعات الجديدة في الكثير من الأحيان. وفي المقابل، تظل إمدادات عملة “دوجكوين” (dogecoin) -التي وقع تطويرها في إطار مزحة- غير خاضعة لأية شروط.

عملات مستقرة أم مشفرة؟

مقابل كل عيب تحاول النسخ إصلاحه؛ يبدو أن السمات المرغوبة في عملة البتكوين تضيع، وعلى سبيل المثال، تتطلب العملات المستقرة أن يثق المستخدمون في كل من المُصدر (الذي يجب أن يحتفظ بالنقد الثابت في الاحتياطي) والحكومة، مما يقوّض الأهداف الفوضوية الأصلية للعملات المشفرة؛ ففي فبراير/شباط الماضي، فرضت السلطات في نيويورك غرامة قدرها 18.5 مليون دولار على مُصدر عملة “تيثر” (Tether) بسبب الكذب بشأن مخزونها من الدولار.

وقامت البورصات الكبرى بشطب عملة مونيرو فائقة الخصوصية، خوفا من احتمال غسل الأموال. وفي غضون ذلك، يشجع نظام إثبات الحصة على تخزين العملة والحد من السيولة، وقد تكون هذه المقايضات هي السبب في عدم تمكن أي من النسخ من التفوق على البتكوين، ووفقا للمحللين في شركة أبحاث “برايف نيو كوين” (Brave New Coin)؛ تُظهر الإجراءات البديلة -مثل النشاط على “غيت هاب” (GitHub) وهي منصة يستخدمها المبرمجون للتعاون في المشاريع- أن عملة البتكوين لا تزال تحظى بشعبية فريدة.

وأشارت الصحيفة إلى أن التهديد يأتي بدلا من ذلك من العملات ذات “البلوك تشين” (blockchain) الأكثر ذكاء التي يمكنها تحقيق أكثر من مجرد تسجيل المدفوعات، فعلى سبيل المثال، يمكن للـ”إيثريوم” (Ethereum) -التي تستضيف “إيثر” ثاني أكثر العملات المشفرة قيمة- استخدام البرامج الآلية التي تستطيع نقل الأموال بين المحافظ فقط بعد حدث معين، وقد أصبحت “إيثر” ونسخها مركزية في مجال التمويل اللامركزي الناشئ، حيث تحاكي “العقود الذكية” المعاملات المالية المعقدة على غرار تقديم القروض أو التأمين، دون الحاجة إلى وسيط موثوق به.

ووفقا لتقديرات شركة البيانات “تشاين أناليسيس” (Chainalysis) -على مدار الـ12 شهرا الماضية- نجح مجال التمويل اللامركزي الناشئ في قيادة 40% من معاملات الإيثر، مما يسجل ارتفاعا بنسبة 7% عن الفترة السابقة، ومع إيداع حوالي 62 مليار دولار من رأس المال في تطبيقاتها، يظل التمويل اللامركزي محدودا، لكنه ينمو بسرعة، أما بتكوين -التي لا تستطيع بلوك تشين الخاصة بها أن تعمل بالعقود الذكية- تفتقر للتجهيز الكافي للحاق بالركب، وتجعلها ميزة وندرة البتكوين على الأرجح جذابة كأصل احتكاري، ومع ذلك، قد يكون ذلك مجرد تعويض فاشل.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى