تقارير

كيف تسللت الأموال الغبية لـ”وول ستريت”؟ أسرار غزوة جيم ستوب


في جلسة واحدة تجاوزت خسائر المراكز المدينة بالأسهم الأمريكية، نحو 70 مليار دولار، فيما عرف بفقاعة جيم ستوب، لكن ما السبب وراء ما حدث؟

في التقرير التالي نستعرض التفاصيل الكاملة لحركة الأموال التي تسللت لبورصة وول ستريت، وأحدثت كل هذه الخسائر، ما أطلق عليها خبراء لفظ “الأموال الغبية”.

البداية وحين كان مايكل فراولي يتسلى في المشتقات المالية لبضعة أشهر عندما انضم العام الماضي إلى منتدى الإنترنت الصاخب والمليء بالسباب، الذي يعطي معلومات خاصة عن التداولات.

وستثبت منصة وول ستريت بتس WallStreetBets على موقع ريديت أنها بوابة دخول لأكثر الرهانات جموحا على الإطلاق التي يقوم بها هذا المهندس من أوهايو البالغ من العمر 25 عاما.

شركة جيم ستوب GameStop ذات المتاجر الفعلية على الأرض التي تبيع ألعاب الفيديو بالتجزئة تواجه المتاعب الآن في عالم ينتقل بسرعة نحو الإنترنت.

وكان سعر السهم قابعا في مكانه منذ ستة أعوام، وكان كثير من صناديق التحوط يراهن على تراجعه بشكل نهائي، بحسب FINANCIAL TIMES.

المراهنة ضد المشككين

 

لكن كان فراولي واحدا من آلاف قرروا المراهنة ضد هؤلاء المشككين، مدفوعا بأحد مستخدمي وول ستريت بتس، الذي دائما ما يربط عصابة حمراء على رأسه، ما دفع بأسهم جيم ستوب التي كانت فاترة من قبل إلى ارتفاع كبير.

الارتفاع أرسل قيمة حسابه على منصة تي دي أمريتريد من أربعة آلاف دولار إلى 124 ألف دولار خلال بضعة أيام، قبل أن يقبض نقدا 20 ألف دولار. وعاد للتداول لاحقا بمنتهى الحماس قائلا إنه على استعداد لخسارة الباقي.

مكاسبه المفاجئة هي الجانب الآخر من حلقة مهينة لعدد من صناديق التحوط التي يفترض أنها حاذقة، التي عانت خسائر كبيرة بما يكفي، في بعض الحالات، لإجبارها على المشاركة في حزم الإنقاذ.

تمت محاكاة نجاح فراولي من قبل عدد كبير للغاية من المتداولين الشجعان الآخرين حيث أدى إلى انهيار شركات الوساطة عبر الإنترنت مثل روبن هود، وأصبح نقطة نقاش في البيت الأبيض والكونجرس.

وهذا أثار ساعة حساب في واشنطن لما يزيد على عقد من الصعود في سوق الأسهم، الذي حقق مكاسب ضخمة لأغنى الأمريكيين، تاركا أشخاصا مثل فراولي دون مكاسب.

قال فراولي: “مستخدم وول ستريت بتس العادي يزدري الأغنياء. إذا كان بإمكاننا جميعا كسب المال وفي الوقت نفسه القضاء على ثروة شخص غني جدا، فهذا يعطي حتى قوة أكبر”.

انغمس ملايين من الناس العاديين في الأسواق خلال العام الماضي، كثير منهم دون أي تدريب رسمي، ما أطلق ارتفاعا للسوق وتدافعا للدخول من مجتمع ظل على مدار عقدين تقريبا واقعا تحت هيمنة شركات كبيرة في إدارة الأصول وصناديق التقاعد وصناديق التحوط.

سهم جيم ستوب

 

ويشير محللون ومستثمرون محترفون عادة إلى الذين يطلق عليهم متداولو التجزئة أو المتداولون اليوميون على أنهم “أموال غبية”. لكن هذا الجيل الجديد مختلف. فهو ينسق على مواقع التواصل الاجتماعي مثل ريديت ويستخدم استراتيجيات تداول متطورة أقعدت الصناديق الراسخة ومنعتها من الحركة.

كان الارتفاع المفاجئ الذي أحدثوه في سهم جيم ستوب أواخر كانون الثاني (يناير) اجتذب حشودا من المؤيدين، وصدم وول ستريت وجذب أشخاصا جددا فضوليين يودون التعرف على ما تقدمه الأسواق.

وقال جيمس كارداتسكي، الشريك المؤسس لكويفر كوانتيتاتيف Quiver Quantitative، وهي مزودة بيانات تنقب في المنتديات عبر الإنترنت من أجل الحصول على البيانات: “لا يشتهر متداولو ريديت هؤلاء بكونهم مستثمرين محترفين، لكن هناك تحليلا عميقا جدا حول هذا المنتدى. يدرك هؤلاء الناس جيدا آليات السوق التي قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار”.

ناقش متداولو ريديت تكتيكات مثل الاتصال بشركات الوساطة والطلب منها عدم إقراض أسهمهم للبائعين على المكشوف، ووضعوا استراتيجيات حول كيفية رد فعل سعر سهم جيم ستوب عندما تجبر صناديق التحوط على إغلاق رهاناتها السلبية.

هذا هو الطريق

“هذا هو الطريق”، عبارة مستعارة من مسلسل ماندالوريان من ديزني هي الشعار المتكرر في المنتدى، وهي عقيدة تم نشرها جنبا إلى جنب مع ادعاءات حول مكاسب التداول، ورسوم بيانية، دعوات لشراء أسهم مثل نوكيا وبلاكبيري.

المحادثة، ومعظمها بين حسابات الأسماء المستعارة المغفلة، مليئة بالألفاظ النابية والشتائم ونبرة استنكار الذات. المنتدى أيضا مليء بالتعريض بالمثليين، حيث تتضمن المصطلحات الخاصة الحديث عن “الأيدي الماسية” أي القدرة على التمسك بمركز معين على الرغم من الألم.

يتعامل متداولو ريديت مع المجتمع وكأنه لعبة، مع الارتياب في الأنظمة القائمة، والشجاعة والفكاهة غير المحترمة، وفقا لأدريان ماساناري، الأستاذة المشاركة في جامعة إلينوي. “ريديت هو منذ الآن مكان أشبه بالكرنفال. لكن ضمن ذلك لديك أشخاصا يشاركون بنشاط في هذا كشكل من أشكال التحرر المالي النشط”.

قالت إن خوارزمية ريديت، التي تروج أو “تعارض” المنشورات، تكثف أيضا زخم الاتجاهات على الموقع. “تجد أمامك مفعول كرة الثلج الخارجة عن السيطرة”.

أعدادهم ازدادت أكثر من الضعف خلال ووصلت إلى ستة ملايين صباح يوم الجمعة، مدعومة بتشجيع شديد من إيلون ماسك، من شركة تسلا، وخبير رأس المال المغامر تشاماث باليهابيتيا.

على مدار عامين أصبح صاحب العصابة الحمراء، وهو مستخدم منتظم على وول ستريت بتس، كان من أوائل الذين لاحظوا احتمال ارتفاع أسهم جيم ستوب، قوة محفزة للمتداولين الآخرين على لوحة الرسائل.

وقال بين إيفرت، كبير الإداريين الاستثماريين في شركة كوي في آر أدفايزرس QVR Advisors: “هو يرتدي الملابس كالقرصان، لكن لديه أطروحة ويتم التعبير عنها بشكل جيد، وكان من الممكن بسهولة أن يكون محللا في بعض صناديق التحوط الفاخرة، لأن هذا ليس مجرد مقامرة غير منطقية، في حالته هي مخاطرة مدروسة لكنها نشطة”.

صاحب العصابة الحمراء

 

اعتمد ارتفاع سهم جيم ستوب على عمليات شراء جماعية لخيارات الشراء التي تؤدي إلى سعر أعلى بكثير من السعر السائد للسهم. هذه الاستراتيجية التي انتشرت لاحقا لتشمل شركات أخرى غير محبوبة عموما، قدمت عائدا يسيل له اللعاب للمتداولين اليوميين مثل صاحب العصابة الحمراء.

وتظهر لقطات شاشة المستخدم لأحد حسابات التداول أنه يحتوي على أكثر من 33 مليون دولار، بما في ذلك الأسهم والخيارات والنقد لم نتمكن من التحقق منه. ولم يرد المستخدم على طلبات التعليق.

ويقوم المتداولون المحترفون في صناديق التحوط والمشتقات الآن بفحص لوحات الرسائل المذكورة للحصول على نصائح ويقفزون أحيانا إلى رهانات المتداولين على ريديت.

وقال أحد متداولي المشتقات في وول ستريت: “ما من شك في أن هناك تدفقا مؤسسيا. ربما كان الدافع هو اجتماع مجتمع ريديت ومجتمع التجزئة معا في انسجام تام، لكننا نشهد أيضا انطلاق تداول الزخم. وهذا هو السبب في أنك ترى مثل هذه التحولات الزلزالية في الأسعار”.

نحن مقابل العالم

لم تبدأ وول ستريت بتس بالازدراء الذي تظهره اليوم لمؤسسات النخبة. أعرب أحد الوسطاء عن أسفه الأسبوع الماضي لأن هناك “الكثير فوق الحد من الكلام الفارغ السياسي في مجتمع لم يكن سياسيا على الإطلاق”.

قال أحد أعضاء وول ستريت بتس الذي قفز إلى التداول في جيم ستوب إنه فعل ذلك في الأغلب من أجل المتعة، دون التفكير في أطروحة الاستثمار التي وضعها صاحب العصابة الحمراء أو أي بيان سياسي.

لكن العنصر السياسي أصبح من الصعب تجاهله. عندما قامت شركات الوساطة يوم الخميس بتقييد التداول في الأسهم والخيارات الشائعة لدى المجموعة، أصبحت وول ستريت بتس شعارا يجمع الأمريكيين الذين خاب أملهم في نظام يقول بعضهم إنه يدعم مؤسسات وول ستريت على حساب عامة الناس. تسببت هذه الخطوة في خسائر لبعض عملاء منصات التداول، الذين وجدوا أن حصصهم قد تم تسييلها دون موافقتهم رسميا.

ركز المستخدمون في وول ستريت بتس على مقابلة أجرتها قناة CNBC مع مدير صندوق التحوط الملياردير ليون كوبرمان، قال فيها إن الحديث عن دفع الأغنياء “نصيبهم العادل” غامض وهو “طريقة لمهاجمة الأغنياء. هذه الحصة العادلة هي مفهوم قائم على كلام فارغ”.

أوستن كولودني، متداول وعضو في مجموعة وول ستريت بتس، وصف المجموعة بأنها تتألف من “أبطال بأيد ماسية”. قال: “لن أذرف دموعا على فكرة أن صناديق التحوط بمليارات الدولارات تخسر أموالا لمصلحة مستثمري التجزئة وأفراد الطبقة العاملة مثلي”.

وأشاد باستعداد المجموعة “لمناقشة تحركاتها المالية في منتدى عام، بدلا من وراء الأبواب المغلقة في غرف خاصة مليئة بكبار الأغنياء”.

قال كلاي شيركي، الأستاذ في جامعة نيويورك: “رسالة ’نحن في مواجهة العالم‘ هذه رسالة قوية حقا. فهي دلالة على الفجوة الثقافية بين وول ستريت والشارع العادي”.

الأدوات في أيديهم

كان الارتفاع المذهل في أسواق الأسهم الأمريكية منذ آذار/ مارس الماضي يعني أن كثيرا من أحدث المجندين الجدد في وول ستريت بتس لم يتداولوا إلا في الوقت الذي صعدت فيه الأسهم بقوة، مع وصول مؤشر إس آند بي 500 إلى ارتفاع قياسي.

أثار وصولهم ذكريات آخر مرة تكدس فيه الأمريكيون لشراء الأسهم. في عام 2000 تحول المتداولون العاديون إلى لوحات الرسائل على مواقع الويب مثل سيليكون أنفستر وRagingBull.com، لكن الكثير منهم اختفوا عندما انفجرت فقاعة الإنترنت واحترقت أصابعهم من التجربة.

قام المنظمون في ذلك الوقت بتضييق الخناق على المخططات الاحتيالية المستخدمة في المنتديات التي تقوم على دفع الأسهم إلى الأعلى ثم بيعها، لكن هذا وحده لم يوقف الارتفاع.

قال ستيف سوسنيك، كبير محللي الاستثمار في إنتراكتيف بروكرز: “الناس يتبادلون الشائعات، طالما كانت هناك أسواق، وفي التسعينيات على سبيل المثال استخدموا أمريكا أون لاين وياهو وغرف الدردشة، أما اليوم أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أكثر كفاءة بما لا يقاس، وهي أوسع انتشارا، لكنها الشيء. نفسه”.

أثار التدافع الأخير إلى الأسواق مخاوف الجهات الرقابية التي تشعر بالقلق من أن هؤلاء المتداولين الجدد عديمي الخبرة، وكثير منهم علموا أنفسهم بأنفسهم من خلال مقاطع فيديو على يوتيوب وريديت، قد يواجهون عواقب مدمرة عندما تتحول السوق. حقيقة أن الكثيرين يستخدمون الآن الخيارات وهي المشتقات التي شبهها المستثمر الشهير وارن بافيت بأنها “أسلحة الدمار الشامل المالية” لم يكن من شأنها إلا أن زادت من المخاوف من أن هذه الطبقة الجديدة من المتداولين ستتعرض للأذى.

لاحظ ألوك كومار، وهو أستاذ في جامعة ميامي، أن العائدات في جيم ستوب وغيرها من الأسهم كانت لها “مكافآت مثل اليانصيب”، ما جذب كثيرا من الأمريكيين العالقين في منازلهم. هذه المكاسب قد تجتذب الآخرين.

قال: “عقلية أن تصبح غنيا بسرعة والقفزات الضخمة في الأسعار – هذه تجتذب الأشخاص المحنكين وغير المتمرسين على حد سواء. من الصعب المقاومة”.

مجتمع ريديت

أدى اهتمام وسائل الإعلام وارتفاع جيم ستوب الأسبوع الماضي إلى تسليط الضوء على مجتمع ريديت.

قال كثير من المستخدمين أنهم شعروا بالجرأة بشأن استراتيجيتهم الاستثمارية نتيجة لذلك وراهنوا على المزيد من أموالهم الشخصية. أخذ آخرون خطوة إلى الوراء وأصبحوا أكثر حذرا. شعر البعض بالخيانة من قبل تطبيقات الاستثمار الفردي التي أوقفت العمليات بشأن بعض الشركات وتدافعوا لإيجاد منصات بديلة للتداول عليها.

بالنسبة لمعظم الناس، الاهتمام الذي جلبته وسائل الإعلام عزز روابطهم المجتمعية. فقد زاد من الشعور بالهدف وأن وضعهم الذي يقابل بالتجاهل في كثير من الأحيان كونهم مستثمري تجزئة، بدأ يتغير أخيرا.

إضافة إلى المكاسب الشخصية دافع كثيرون عن فكرة أن عالم التمويل يحتاج إلى تغيير. وحث المتداولون على ريديت الجميع على الكتابة إلى ممثليهم السياسيين للمطالبة بمزيد من الشفافية من المستثمرين المؤسسيين.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: