تقارير

مع ترقب طرح “أرامكو”.. كيف يتم تقدير الاحتياطيات النفطية؟


على مدار الأشهر الأخيرة، تراقب أعين الجميع في صناعة النفط العالمية تطورات الطرح العام لجزء (5%) من “أرامكو”، والذي من المرجح أن يصبح الأكبر في التاريخ.
لكن بينما تتركز نقاشات الغالبية حول البورصة العالمية الأنسب للطرح والقيمة العادلة للشركة، ينصب تركيز الخبراء في الصناعة على نقطة أخرى يعتبرونها غاية في الأهمية، وهي: تقدير الاحتياطيات.

 

 

وكجزء من عملية الطرح المنتظر، يجب أن تخضع احتياطيات النفط للمراجعة من قبل المستشارين الأجانب، والذين سيقومون بتقييمها في الغالب وفقاً لمعايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. فبورصات مثل نيويورك ولندن، لديها قواعد إدراج و”أرامكو” مطالبة بالامتثال لها، كما تلزمها بتوفير المزيد من المعلومات حول احتياطياتها وكيفية تقديرها.
وعلى الرغم من أن الاحتياطيات النفطية للبلاد، لن يشملها الطرح وستبقى تحت السيطرة الحكومية بالكامل وهو ما أكده وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية “خالد الفالح” في دافوس 2016، إلا أن مسألة التوصل إلى تقديرات معتمدة من قبل أطراف مستقلة تعتبر عاملًا حاسماً في حساب القيمة العادلة للشركة.
وفي هذا التقرير سنحاول إلقاء نظرة على عملية تقدير الاحتياطيات النفطية لأي شركة بشكل عام من زاوية فنية بحتة، قبل أن نوضح سبب إشكالية هذه الخطوة بالنسبة للسعودية بالتحديد، وطبيعة الشكوك المثارة حول التقديرات السعودية.
عن المجهول الموجود في باطن الأرض
– مسألة تقدير الاحتياطيات مهمة جدا بالنسبة لكل البلدان الغنية بالطاقة. فدولة مثل السعودية لا يمكنها التخطيط لاستراتيجيتها الوطنية دون أن يكون لديها فكرة عن حجم وطبيعة ما تمتلكه من موارد. ولكن كيف يحدد الخبراء مقدار الثروة المستقرة تحت أقدامهم في باطن الأرض؟ وما مدى دقة هذه التقديرات؟

 

– لنتفق من البداية على شيء، وهو أن معرفة السعودية مثلًا أنها تمتلك نفطا أو غازا في جزء معين من أراضيها قصة، وحساب حجم تلك الثروات قصة أخرى تماماً.

 

– إذا استعرضنا الأمر من البداية، فسنجد أن الجيولوجيين يستخدمون التصوير الزلزالي أو المسح السيزمي لتحديد مدى احتمالية وجود النفط في المنطقة المستكشفة. بهذه التقنية يتم إطلاق موجات صوتية على الأرض، ثم تسمح الموجات المنعكسة للجيولوجيين برسم صورة حول أنواع وتشكيلات الصخور تحت الأرض.

 

– في حال أشارت نتائج التصوير الزلزالي إلى ظروف جيولوجية مشجعة، تقوم الشركة في البداية بحفر بئر استكشافية، وإذا حدث وكان هناك نفط بالفعل، تبدأ المرحلة الأعقد والأصعب، وهي تقدير حجم تلك الثروة، فمن المهم أن تعرف الشركة حجم احتياطي النفط والغاز الذي تم اكتشافه.

 

– سبب صعوبة الأمر، هو أن البئر الاستكشافية التي حفرتها الشركة في الواقع أقرب لإبرة وسط كومة من القش، وتوفر للشركة جزءا صغيرا جداً من الصورة، ولا يمكنها أن تعتمد عليه فقط في تقدير حجم الاحتياطيات الكامنة في باطن الأرض.

 

– حين نتحدث عن تقدير الاحتياطيات فلا شيء يقينيا. يحاول الخبراء أن يفسروا بعض الإشارات والبيانات التي يحصلون عليها من أجل التوصل إلى أكثر التقديرات صحة. على سبيل المثال، ينظرون إلى مدى سمك الطبقة الصخرية التي عثر فيها على النفط، وأيضًا إلى ضغط الزيت المتصاعد عند قاع عمود الحفر ويقارنونه مع الضغط عند الجزء العلوي من العمود.

– هذه الأشياء وأخرى غيرها يحاولون تفسيرها من أجل التوصل إلى تقديرات. ولكن كما أشرنا سابقاً بئر واحدة لا تكفي، لذلك تقوم الشركة بحفر المزيد من الآبار الاستكشافية الأخرى ضمن عملية معقدة قد تؤول في نهاية المطاف إلى اللاشيء.

 

– الطريقة التقليدية لتقدير حجم الاحتياطيات الموجودة في حقل نفط أو غاز هي من خلال حفر دائرة من الآبار حول البئر الأولى، وإذا ظهرت نتائج مشجعة، يتم توسعة قطر الدائرة بالتدريج إلى أن يتم قياس كامل الحقل.

 

– في بعض الأحيان قد لا يظهر في البئر الثانية والثالثة أي شيء، وذلك على الرغم من البئر الأولى بدت كما لو أنها ترقد على بحر من النفط. إذا حدث ذلك، فيصبح من الصعب جداً على الشركة التوصل إلى تقديرات واقعية لحجم النفط أو الغاز الذي وجدته.

 

– المشكلة هي أن الوصول إلى تقديرات دقيقة لحجم الخزان عملية صعبة جداً، وذلك لأنه على عكس ما يتصور البعض لا يرقد النفط تحت الأرض ككتلة ضخمة تشبه البحيرة، وإنما ينتشر بشكل عشوائي بين الطبقات والتشكيلات الصخرية.
قصة الاحتياطيات المكسيكية .. وأنواع الاحتياطي
– إذا نحينا الصعوبات الجيولوجية جانباً، فإن بعض الحكومات قد تبالغ في تقدير حجم احتياطياتها، لأنه كلما كبر حجم المواد الكامنة في باطن الأرض، تحسن الوضع الجيواستراتيجي للبلد في الساحة العالمية، وزادت قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية

 

– لنأخذ المكسيك كمثال: لسنوات عديدة ظلت الاحتياطيات المكسيكية من النفط الخام تتأرجح ما بين 50 إلى 60 مليار برميل، ولكن حينما تمت مراجعة تلك التقديرات من قبل مراجعين مستقلين أجانب تم تخفيض تلك الاحتياطيات إلى ما يتراوح بين 20 و 30 مليار برميل.

 

– من أجل جذب الاستثمار الأجنبي، كان على المكسيك أن تُخضع بيانات الاحتياطيات إلى معايير تدقيق أكثر صرامة وهي تلك الخاصة بلجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية. وكانت النتيجة أن احتياطيات المكسيك بلغت في عام 2008 أقل من 20 مليار برميل، وهو ما مثل ثلث التقييم الأصلي للحكومة المكسيكية.

 

– تقديرات الشركات للاحتياطيات تكون أحياناً خاطئة وبعيدة جداً عن الحقيقة، كما حدث في حقل الغوار السعودي الذي يعتبر أكبر حقل نفط تقليدي في العالم، حين قدرت احتياطياته من النفط القابل للاسترداد (للاستخراج) اقتصاديا في عام 1975 من قبل شركات “إكسون” و”موبيل” و”شيفرون” و”تاكسكو” بحوالي 60 مليار برميل.

 

– لكن بعد مرور ما يقرب من 43 عاما على ذلك التاريخ، لا يزال الحقل الذي اكتشف في عام 1948 يحتوي على احتياطيات تتجاوز 70 مليار برميل، وهذا فضلاً عن 70 مليار برميل أخرى تم إنتاجها بالفعل.

– الاحتياطيات النفطية يتم تقسيمها إلى الفئات الثلاث التالية استناداً إلى درجة التأكد من وجودها: الاحتياطيات المؤكدة (P1) والاحتياطيات المحتملة (P2) والاحتياطيات الممكنة (P3).

 

– الاحتياطيات المؤكدة هي التي يمكن تقديرها بدرجة معقولة من اليقين (نسبة تأكد أكثر من 90%) وقابلة للاسترداد تجارياً من خزانات نفطية معروفة، في ظل ظروف السوق الحالية ووفق أساليب التشغيل المتاحة.

 

– أما الاحتياطيات المحتملة، فهي احتياطيات موجودة وقابلة للاستخراج وفق الظروف السوقية والتكنولوجية الحالية أو المستقبلية، غير أن الشركة أقل تأكداً من قدرتها على استخراجها، ولكن في نفس الوقت لا تقل نسبة ما يمكن استرداده منها عن 50%.

 

– أخيراً الاحتياطيات الممكنة، هي احتياطيات غير مؤكدة، تقترح بيانات التحليل الجيولوجي بأن إمكانية استخراجها تجارياً أقل مقارنة مع الاحتياطيات المحتملة، إلا أن هناك احتمالا قدره 10% على الأقل بأن الكميات الحقيقية المستخرجة ستساوي أو تتجاوز الاحتياطيات المحتملة مضافاً إليها تقديرات الاحتياطيات الممكنة.
الاحتياطيات السعودية بين أيدي الخبراء الأجانب
– ما هو حجم النفط الذي يرقد في باطن الصحراء السعودية؟ ومتى ستنضب هذه الموارد؟ هذان السؤالان وأسئلة أخرى غيرهما شغلت خبراء النفط على مدى 5 عقود.

 

– ووفقًا لبيانات “أوبك”، تمتلك السعودية اعتباراً من نهاية عام 2014 احتياطيات نفطية تقدر بنحو 266.58 مليار برميل. وباعتبار هذه الأرقام دقيقة، فهذا يعني أن النفط السعودي  لا يزال أمامه حوالي 75 عاما تقريباً، إذا تم الحساب باستخدام معدل الإنتاج اليومي في يناير 2018 البالغ 9.97 مليون برميل يومياً.

– اللافت للانتباه هو ارتفاع الاحتياطيات بشكل مفاجئ من 170 مليار برميل في عام 1987 إلى 260 مليار برميل في عام 1989 هذه القفزة حدثت في عامين فقط.

 

– ظل الاحتياطي النفطي ثابتًا تقريباً منذ ذلك الحين، ويتأرجح في النطاق ما بين 260 و265 مليار برميل، حتى مع استخراج البلاد لحوالي 94 مليار برميل (اعتبارا من 2016) توزعت بين التصدير والاستهلاك المحلي، وفقاً لمجلة “إي آند بي” المهتمة بشؤون النفط والغاز.

 

– دقة هذه البيانات تعني أن الحكومة السعودية تمكنت من تحقيق إنجاز رائع متمثل في استبدال كل برميل تم إنتاجه إما من خلال اكتشافات جديدة أو من خلال ارتفاع حجم الكمية القابلة للاسترداد من الحقول الموجودة بالفعل.

 

– لكن معظم حقول النفط العملاقة في البلاد تم اكتشافها في الفترة ما بين عامي 1936 و1970، ومنذ ذلك الحين لم يتم الكشف عن أي اكتشافات مماثلة. وهكذا لا يبقى سوى الاحتمال الآخر، وهو أن الثبات النسبي للاحتياطيات رغم الإنتاج الكبير مصدره زيادة حجم النفط القابل للاسترداد من خلال اكتشاف رواسب جديدة في الخزانات النفطية القائمة.

 

– في عام 1980 أصبحت السعودية هي المالك الوحيد لـ”أرامكو”، وبداية من عام 1982، تم فرض السرية على المعلومات التفصيلية الميدانية حول احتياطيات الشركة وإنتاجها، ولكن إذا ذهبت “أرامكو” إلى نيويورك فستجد نفسها مجبرة على الالتزام بالمعايير الصارمة التي تفرضها لجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية، والتي تتطلب الكشف عن أدق تفاصيل الاحتياطيات والإنتاج.

 

– في بداية عام 2017، قامت الحكومة السعودية بتعيين وحدة الخدمات الاستشارية التابعة لشركة الطاقة الأمريكية بيكر هيوز “جافني كلين آند أسوشيتس” بالإضافة إلى شركة “ديجولير وماتنوتون” من أجل إجراء عملية مراجعة مستقلة لاحتياطيات البلاد النفطية.

– في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أشارت مصادر لـ”رويترز” إلى أن عملية التدقيق والمراجعة لا تزال قائمة، واستغرقت وقتاً أكثر من المتوقع، بسبب رغبة السعودية في عدم الاستعجال وحرصها على حصول هؤلاء المراجعين على كل ما يحتاجونه من بيانات، لكي تقطع الطريق أمام أي تعليقات مشككة في مرحلة لاحقة.

 

– أخيراً، خضوع الاحتياطيات السعودية للمراجعة من قبل خبراء متخصصين، هو أمر لا يمكن تجاوزه، لأنه من دون بيانات معتمدة من أطراف مستقلة سيكون من المستحيل إجراء أي عملية تقييم للشركة قبل عملية الطرح.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: