مقالات و بحوث

ظاهرة التسرب المدرسي …..آفة قاتلة

كاتب : أسامة مسلم

تعد ظاهرة التسرب  المدرسي من المشكلات الخطيرة التي تعيق سير العملية التربوية في كثير من دول العالم ,  فهي ظاهرة موجودة في جميع البلدان ,ولا يمكن ان يخلو واقعا تربويا من هذه الظاهرة , إلا انها تتفاوت في درجة حدتها وتفاقمها من مجتمع الى اخر ومن مرحلة دراسية الى اخري ومن منطقة الى اخري , كما ويعتبر التسرب إهدار تربوي هائل يؤثر تأثير سلبي على المجتمع وأبنائه. فيعمل على زيادة حجم الامية والبطالة ويضعف البينة الاقتصادية والإنتاجية للمجتمع والفريد ويزيد من الاتكالية والاعتماد على الغير في توفير الاحتياجات الاساسية , وكما يزيد من حجم المشكلات الاجتماعية من انحراف وسرقة وجنح واعتداء على الاخرين.

وتري نيرمين البورنو ” دكتورة تكنولوجيا التعليم , مشرف تربوي ” ان التسرب ظاهرة خطيرة لأنها صورة من صور الفقر التربوي في المجال التعليمي , وتعني بترك الطالب الدراسة في احدي مراحلها التعليمية , مما يمثل هدر لطاقته المستقبلية..

وتذكر البورنو  أن هناك تعريفات عديدة لظاهرة التسرب فمثلا تقول العرب “: تسرب الرجل أي ذهب على وجهه , وتسرب في البلاد تعني دخلها خفية ,وعرفت منظمة اليونيسكو المتسرب بأنه التلميذ الذي يترك المدرسة قبل السنه الاخيرة من المرحلة الدراسية التي سجل فيها . ويذكر أن تقرير الأمم المتحدة لعام 2015 أشار إلى أن 15 مليون طفل تسربوا من التعليم في منطقة الشرق الأوسط.

وتؤكد البورنو ان المتسرب يتحول الى مواطن تغلب عليه الأمية ويصبح عضو غير منتج في بيئته , ممل يقلل من مستوي طموحاته ويضعف من مستوي مشاركته في بناء المجتمع , ويصعب عليه الاندماج , وبالتالي  يؤدي  الى تحول اهتمام المجتمع من البناء والإعمار والتطوير والازدهار الي مراكز الاصلاح والعلاج والإرشاد , كما يؤدي التسرب الى استمرار الجهل والتخلف وبالتالي سيطرة العادات والتقاليد البالية التي تحد وتعيق تقدم المجتمع.

 

وتضيف البورنو  ان ظاهرة التسرب من النظام التعليمي لها أسباب متشعبة ومتعددة تختلط فيها الأسباب التربوية  مع الأسرية مع الاجتماعية والاقتصادية وغيرها , فهي نتاج لمجموعة الاسباب تتفاعل وتتراكم مع بعضها تصاعديا لتدفع الطالب برضاه او  كأمر ان يقبل الخروج من النظام التعليمي , عن طريق اجباره على التسرب والخروج الى سوق العمل , أو على الزواج المبكر , أو المشاكل الاسرية , حيث بتنا نشاهد الطلاب في الطرقات وهم يحملون حقائبهم على ظهورهم وقد فاتهم وقت الدراسة وتأخروا عن موعد الدخول الي المدرسة , وفي بعض الاحيان نشاهدهم وهم يهربون من اسوار المدارس , وهذا التأخر عن الحضور في الموعد يتطور ويصبح تأخر في الدروس  وهذا من الاسباب الوجيهة التي تؤدي الي التسرب من المدرسة , فلذلك يجب على المعلم الناجح ان يلاحظ تلاميذه , وان يحاول التعرف على الأسباب الرئيسية التي الت به الي هذا الفعل , ومما لا شك فيه ان للمدرسة تأثير قوي في تشكيل شخصية الطالب , من خلال التعرف على قدراته وجوانب عجزة وقصوره , ومن خلال تفعيل دور المرشد التربوي , والعدالة في التعامل وعدم التميز بين الطلبة , ومنع العقاب بكل انواعه البدني والنفسي , وتنوع الأساليب التعليمية .

ويري ميثاق الضيفي “دكتور العلاقات الدولية والاقتصاد “ إن ظاهرة التسرب المدرسي من أصعب وأخطر  المشاكل  الكونية التي تعاني منها دول العالم بصفة عامة والدول العربية بصفة خاصة لما لهذه الظاهرة من آثار سلبية تؤثر في تقدم المجتمع الواحد وتطوره وتقف حجر صلب أمامه ، وترتفع نسبه التسرب في الدول العربية بصورة كبيرة مما دعا الي وضع استراتيجية من أجل الحد من تلك الظاهرة , ولا سيما أنها تساهم بشكل كبير وأساسي في تفشي الأمية وعدم اندماج الأفراد في التنمية ، بحيث يصبح المجتمع الواحد خليط من فئتين فئة المتعلمين وفئة الأميين مما يؤدي إلي تأخر المجتمع عن المجتمعات الأخرى.

ويؤكد الضيفي ان التسرب  ظاهرة معقدة تأتي نتيجة منطقية لتظافر مجموعة من العوامل تتداخل وتتحد لجعل الطالب خارج سور المدرسة بطريقة او بأخرى , وان للتسرب المدرسي أسبابا تتمثل أساسا في النظام الاجتماعي والتعليمي من خلال السياسات المنتهجة التي وصفها بالمترهلة.

وينوه الضيفي على ان الوضع الاقتصادي للأسرة معيار حاسم في مسار حياة الطالب , اذ ان الوضع الاقتصادي المريح نسبيا بالعادة ما يضمن الاستقرار المتكامل للطالب الذي يمكنه من مواصله حياته الدراسية ويعمل على توفير متطلباته وأعباءه المختلفة.

ويؤكد الضيفي ان للتسرب عواقب وبصمات خطيرة سواء على مستوي الفرد او المجتمع , مثل تعثرات وصعوبات في اندماج الطالب في الحياة الاجتماعية , ولجوءه الى سلوك خطر مثل تعاطي الكحول والمخدرات وقد يصل به الحال الي الاكتئاب والتطرف ومن ثم  قد يقوده الى الانتحار , وقد تؤدي به الي الهجرة والنزوح لان الاوضاع الاقتصادية السيئة قد تجعل الطلاب يهتمون بتحسين الوضع الاقتصادي للأسرة بدلا من الاهتمام بالتحصيل العلمي .

ويشير الضيفي  على انه يجب على المؤسسات التعليمية استيعاب حاله الطلاب الذين يتركون المدرسة قبل فوات الاوان والذين تتطلب اوضاعهم مد يد العون في عدة مجالات مثل : الرعاية الاجتماعية  والاقتصادية والثقافية والتوعوية .

ترى ياسمين علياندكتورة علم نفس التربوي” ان ظاهرة التسرب تعد من المظاهر الخطيرة المتفشية في مجتمعاتنا والتي باتت مثل الكابوس , وذكرت ان هناك العديد من الاسباب التي تؤدي إلى تسرب الطلاب , ولكل طالب أسبابه النفسية والأسرية الخاصة التي تدفعه للهروب من المدرسة مثل : أسباب تتعلق بالطالب نفسه قد تكون نفسية مثل ضعف تركيز الطالب , وضعف الذاكرة وصعوبة الحفظ و النسيان , وتشتت الانتباه والنشاط الزائد , أو قد تكون لأسباب تربوية مثل عدم رغبة الطالب بالتعلم بسبب تدني تحصيله الدراسي ,أو لرسوبه المتكرر نتيجة وجود صعوبات في التعلم أو لضعف دافعية الطالب للتعلم وذلك لأن المستوى التعليمي لا يتناسب مع قدرات الطالب العقلية بحيث أن عمره العقلي أقل من عمره الزمني .

وتضيف عليان  ان جمود المواد التعليمية وعدم احتوائها على انشطة وأساليب تحفز الطالب للتعلم , والتي لا تراعي الفروق الفردية في القدرات العقلية بين الطلبة قد تكون من الاسباب الخطيرة  لتلك الظاهرة , أو لوجود مشكلة صحية عند الطالب مثل ضعف السمع والبصر أو وجود إعاقة أو تشوه خلقي يشعر الطالب بالخجل ،أو لكثرة تنقل الطالب من مدرسة إلى أخري والتي سببت له عدم القدرة على  التأقلم والتكيف مع زملائه والمعلم والمواد الدراسية .

وتذكر  عليان ان من أهم أسباب التسرب تلك الأسباب المتعلقة بالبيئة الاسرية التي تعمل على احباط قدرات الطالب والمشاكل الاسرية مثل وجود  التفكك وجود التفكك الأسري والطلاق والشجار بين الوالدين يؤدي إلى كره الطالب للمدرسة ،و قد يلزم الفتاة للغياب والقيام بأعمال أمها المنزلية ،وتجبر الولد للخروج لسوق العمل لتلبية احتياجاته وذلك لأسباب لها علاقة بالزواج المبكر عند بعض الأسر ، وأسباب تتعلق بالمناخ المدرسى ,فسوء استخدام أساليب العقاب البدني والمعنوي على الطلاب وتمييز المعلمين مابين الطلاب سواء بالجنس أو للطبقة الاقتصادية أو للمستوى العلمي ،يؤدي إلى نفور الطالب من المدرسة التي بدورها تنعكس على نفسية الطالب بكره للتعليم و ورفضه للاستمرار بالتعلم مما تدفعه للهروب من المدرسة ومرافقة رفقاء السوء التي بدورها تنعكس على المجتمع بانتشار آفات اجتماعية كالبطالة والانحراف والفساد والجهل والعمالة والسرقة والتسول.. وغيرها.

وتؤكد عليان أن علاج تلك الظاهرة تحتاج إلى إعادة النظر في الإستراتيجية التعليمية بتوفير مواد وبيئة تعليمية تتناسب ميول واهتمامات الطلبة النفسية والاجتماعية والعقلية والجسمية وتراعي مشكلاتهم ، إلى جانب ضرورة مشاركة المرشدين والأخصائيين النفسيين في إقامة ورش توعية للأهالي والمعلمين حول تعزيز بيئة تعليمية آمنة باستخدام آليات تعديل السلوك الايجابية مثل تعزيز استخدام الأنشطة السمعية والبصرية والأدائية التي تساعد على تفريغ الطاقات السلبية وحل مشكلاتهم وجذب انتباه الطلاب وإثارة دافعتيهم  للتعلم.

وأكد الخبراء الثلاثة على  أن ظاهرة التسرب تعتبر من أكبر المشكلات التي  تعترض التعليم  وتشكل مشكلة جديرة بالاهتمام , وانه يجب  العمل على ايجاد الحلول والحد من تلك الظاهرة  لأنها باتت مشكلة تواجه العملية التعليمية والتربوية , ومستقبل أجيال كثيرة في المجتمعات النامية , فالتسرب يزيد من معدلات الاهمال والجهل والبطالة , ويضعف البيئة الاجتماعية والاقتصادية والإنتاجية للمجتمع والفرد , لذلك يجب تضامن كل الجهود بين المؤسسات الاجتماعية للحد وعلاج ظاهرة التسرب ,وضرورة التعرف على الظروف الاسرية والاجتماعية للتلاميذ منذ التحاقهم بالمدرسة وذلك عن طريق جمع البيانات لكل تلميذ ومتابعته والعمل على توعية الاباء وتبصيرهم بأهمية التعليم وضرورة دورة في رفع المستوي الاجتماعي والاقتصادي للأسرة .

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: