غير مصنف

ربيع سياسي ساخن تشهده تركيا عقب تقديم موعد الانتخابات

إسطنبول/محمود عثمان

على نحو بدى للوهلة الأولى مفاجئا، اقترح زعيم حزب الحركة القومية دولت بهجلي، تقديم موعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. بعدها بأربع وعشرين ساعة فقط تم الإعلان عن اتفاق بين حزبي حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية على إجراء الانتخابات في 24 يونيو/ حزيران المقبل.

دولت بهجلي الذي اقترح تقديم موعد الانتخابات في خطابه أمام الكتلة النيابية لحزبه، أشار إلى أن الجانب الاقتصادي وتعقيدات مكافحة الإرهاب وأجندة السياسة الخارجية المتأزمة، تقتضي تقديم موعد الانتخابات. من جانبه أيضا أكد الرئيس أردوغان على ضرورة الالتزام بالموعد المحدد للانتخابات، معتبراً الأسباب والمسوغات التي ساقها بهجلي منطقية وكافية لتقديم الموعد.

—–

** أهم أسباب تقديم موعد الانتخابات

أولا: جني ثمار النصر في عملية غصن الزيتون وتحرير عفرين من ب ي د ب ك ك الانفصالي الارهابي.

ثانيا: قطع الطريق على التدخلات الخارجية في العملية الانتخابية .. وقد بدا واضحا في القلق والانزعاج الكبير الذي أبداه الأمريكيون جراء تقديم موعد الانتخابات بالرغم من كونه إجراء فنياً وشأنا داخليا يخص السياسة الداخلية التركية. وسنرى في الأيام القادمة وتيرة أعلى من الاعتراضات والتشكيك من قبل دول الاتحاد الأوربي.

ثالثا: منع الاحتكاك والصدام بين الحزبين الحليفين، حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية.

بالرغم من ان الحزبين متفقان على غالبية القضايا السياسية، وبينهما حلف “اتفاق الجماهير”، إلا أن ذلك يستثني الانتخابات البلدية. حيث يأمل حزب الحركة القومية تحقيق مكاسب على حساب شريكه حزب العدالة والتنمية. ولأن الموعد الاعتيادي للانتخابات البلدية يأتي قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فهذا يعني معركة انتخابية ضروسا بين الطرفين، ثم يأتي من بعدها صلح وحلف. أمر ربما يصعب شرحه وإيضاحه للناخب العادي.

رابعا: مفاجأة أحزاب المعارضة بانتخابات مفاجئة، تجعل عملية لم شملها صعبة وشبه مستحيلة. إذ ليس من السهل على جبهة المعارضة أن ترتب أوراقها وتجري استعداداتها لانتخابات مبكرة مقررة في تاريخ قريب إلى هذا الحد.

خامسا: قطع الطريق على القوى الداخلية والخارجية المتربصة أمام استخدام الورقة الاقتصادية في الضغط على الحزب الحاكم. من إشاعة أجواء عدم الاستقرار في سعر صرف الليرة التركية، وزعزعة المعطيات الاقتصادية، بشكل يحرم حزب العدالة والتنمية من اقوى سلاح بيده، وهو سلاح الإنجازات والنجاحات التي حققها خلال سنوات حكمه.

سادسا:

** تعاطي الأحزاب السياسية مع تبكير موعد الانتخابات

يفترض من الناحية النظرية أن تكون الأحزاب السياسية على أهبة الاستعداد لخوض الانتخابات في أي لحظة. بل درجت العادة أن تطالب أحزاب المعارضة، بمناسبة وبغير مناسبة، الحكومة بإجراء انتخابات مبكرة كوسيلة لإحراجها أمام الجماهير.

من الناحية العملية، تركيا كانت قد دخلت أجواء الانتخابات قبل بداية العام، حيث بدأ حزب العدالة والتنمية في تنظيم مهرجانات لا تقل حيوية ونشاطاً عن المهرجانات الانتخابية، أخذ الرئيس أردوغان يركز فيها على مسائل السياسة الداخلية، وحشد الجماهير لحزبه في تلك المهرجانات.

لذلك اكتسبت المؤتمرات الدورية لفروع حزب العدالة والتنمية صبغة احتفالية مهرجانية غير اعتيادية، كمن يريد ضرب عصفورين بحجر واحد، إنجاز الاستحقاق الحزبي من جهة، وإدخال كوادر الحزب ومؤيديه أجواء الماراثون الانتخابي بشكل فعلي.

سيتوجب على أحزاب المعارضة دخول أجواء الانتخابات خلال فترة قصيرة نسبياً، وعليها إتمام تحركاتها السياسية بسرعة فائقة. وهذا ما رأيناه من خلال الاتفاق بين حزبي الشعب الجمهوري والحزب حديث الولادة، حزب “إيي” (الجيد)، الذي انجز بسرعة غير مسبوقة. حيث “باع” حزب الشعب الجمهوري 15 نائبا من نوابه لكي يتمكن حزب “إيي” من تشكيل كتلة برلمانية يستطيع من خلالها تقديم مرشحه للرئاسة، كون مادة الدستور الخاصة بشروط الترشح للرئاسة، تنص على أن تقوم كتلة برلمانية بالترشيح، أو أن يجمع المرشح 100 ألف توقيع من المواطنين لترشيحه.

عملية “تغيير جلد” 15 نائبا من حزب الشعب الجمهوري لصالح حزب “إيي” أثارت ردود فعل كبيرة، حيث وصفها كثيرون، على رأسهم الرئيس أردوغان، بحادثة ” كونيش موتيل” والبازارات السياسية في سبعينيات القرن الماضي. تلك الحقبة ارتسمت في ذهن المواطن التركي بالصدامات المسلحة في الشوارع، وانعدام الأمن، وفقدان الاستقرار السياسي.

ما هي حادثة ” كونيش موتيل”؟

في الانتخابات البرلمانية العامة التي أجريت بتاريخ 5 حزيران/يونيو عام 1977، فاز حزب الشعب الجهوري بقيادة بولنت أجاويد بالأغلبية. لكن بالرغم من حصوله على 213 مقعدا في البرلمان، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لتشكيل الحكومة بمفرده. فقام أجاويد بتشكيل حكومة أقلية، لكن حكومته فشلت في نيل الثقة من البرلمان.

إثر ذلك، نجح رئيس حزب العدالة آنذاك سليمان ديميريل، في تشكيل حكومة ائتلافية، ضمت إلى جانب حزب العدالة، كلا من حزبي السلامة بقيادة نجم الدين أربكان، وحزب الحركة القومي بقيادة ألب أصلان توركاش، حيث أطلق على الحكومة 41 , “الجبهة الوطنية” لأن جميع أحزابها من اليمين.

في الانتخابات المحلية التي أجريت بتاريخ 11 ديسمبر من نفس العام 1977 تمكن حزب الشعب الجمهوري من حيازة المرتبة الأولى فيها. فحدثت نقاشات وخلافات كبيرة داخل حزب العدالة، استقال على إثرها 12 نائبا من الحزب.

بوساطة وترتيب من رئيس بلدية استانبول أيتكين كوتيل، التقى رئيس حزب الشعب الجمهوري بولنت أجاويد بالنواب المستقيلين من حزب العدالة خفية في “كونيش موتيل” الذي تملكه بلدية استانبول في منطقة فلوريا.

عرض أجاويد على النواب المستقيلين الانضمام إلى حزب الشعب الجمهوري، مقابل تعيينهم جميعا وزراء في حكومته.

في جلسة حجب الثقة عن حكومة ديميريل صوت 11 من هؤلاء النواب لجهة حجب الثقة، فسمًوا بمجموعة ال11 وعينوا جميعا وزراء في الحكومة 42 التي شكلها بولنت أجاويد (لم يقبل النائب الـ١٢ المستقيل عرض الوزارة).

صارت هذه الحادثة مثالا على الانتهازية والوصولية والعمل من تحت الطاولة، والبازارات السياسية غير الشفافة.

من المؤكد أن حزب العدالة والتنمية سوف يستغل حادثة تبدل الهوية السياسية للنواب الخمسة عشر من حزب الشعب الجمهوري إلى حزب “إيي” بهذه الطريقة الملتبسة، للتدليل على ضرورة التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي الذي يحول دون وقوع مثل هذه الحوادث الإشكالية.

أحزاب المعارضة وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري أعلنت أنها قبلت التحدي، و صرح مسؤولوها بأنهم مستعدون لخوض غمار المعركة الانتخابية.

القضية الأهم والأكثر حساسية لدى المعارضة هي تحديد مرشحها لرئاسة الجمهورية، فباستثناء ميرال أقشنر، رئيسة “إيي”، لا يوجد مرشح آخر في صفوف المعارضة.

يتم تدول اسم الرئيس السابق عبد الله غول كمرشح مشترك للمعارضة، لكن قد لا يكون من السهل أبدًا إقناع غول بالترشح خلال هذه الفترة الضيقة جدًّا، كما أنه هو نفسه لم يلمح أبدًا إلى رغبته بالترشح لرئاسة الجمهورية.

الاصرار على طرح اسم غول يشير إلى إفلاس سياسي لدى المعارضة، حيث لا استراتيجية لها سوى معاداة شخص أردوغان. السياسة فن طرح البدائل والحلول والرؤى، وليست مجرد ردات فعل.

على صعيد المعارضة، يدور نقاش حار حول ترشح كمال كليجدار أوغلو زعيم حزب الشعب الجمهوري. حيث يواجه ضغوطًا كبيرة من أجل الترشح، سواء من أنصار حزبه أو من أوساط الحزب الحاكم. لكن بات من المرجح اتفاق حزب الشعب الجمهوري مع حزب “إيي”، وربما ينضم إليهما حزب السعادة أيضا، على مرشح مشترك واحد للمعارضة.

المباحثات المكوكية بين مختلف الأحزاب السياسية، تشهد وتيرة مرتفعة، خصوصا بين حزب السعادة وحزب “إيي” مع حزب الشعب الجمهوري الذي سوف يكثف اتصالاته بحزب الشعوب الديمقراطي.

الأحداث تسير بوتيرة متسارعة جدا، فما يكتب بداية اليوم قد ينقضه ما يحدث آخره، وما يصرح بها سياسي قد يكذبه آخر، وما يعرضه محلل سياسي قد يخالفه كاتب آخر ..

أليس هو العرس الديمقراطي بجماله وبهائه وجلاله ؟!.

يحق لتركيا العروس أن تتباهى بثوبها الأبيض وسط محيط من الأشلاء والدماء والدموع.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى