تقارير

خصخصة الشركة المملوكة للدولة..هل حققت الصالح العام؟ (تجارب غربية)

قبل الثمانينيات، زادت الحكومات حول العالم من حجم ونطاق أنشطتها التجارية، واضطلعت بمجموعة متنوعة من المهام التي كان يقوم بها القطاع الخاص في السابق.

 

ففي أمريكا الشمالية، وتحديًدا في الولايات المتحدة، قامت الحكومة الفيدرالية ببناء الطرق السريعة والسدود ومراكز الأبحاث. وفي أوروبا الغربية وأمريكا اللاتينية قامت الحكومات هناك بتأميم شركات وبنوك وأنظمة رعاية صحية وصناعات بأكملها بعد أن رأت أن تدخل الدولة ضروري من أجل إعادة بناء الاقتصادات التي حطمتها الحرب. أما في أوروبا الشرقية، فقد سعت الأنظمة الشيوعية إلى القضاء على القطاع الخاص تمامًا.

 

 

ثم جاءت الثمانينيات، وبدأت العجلة تدور في الاتجاه المعاكس، وتظهر أنشطة خصخصة الأصول والخدمات الحكومية في أنحاء مختلفة حول العالم.

 

ما هي الشركات الحكومية؟

 

– الشركات الحكومية هي شركات مملوكة بالكامل أو جزئيًا من قبل الحكومة، ولكن يصعب تحديد حجم الحصة التي تؤهل أي كيان ليصبح كيانًا حكوميًا أو مملوكًا للدولة، وذلك لأن الكثير من الحكومات تمتلك أسهمًا في عدد من الشركات، لكن دون أن يكون لها سيطرة فعلية عليها.

 

– على سبيل المثال، في عام 2007 قامت مؤسسة الاستثمار الصينية المملوكة للدولة بالاستحواذ على حصة قدرها 10% من بنك الاستثمار الأمريكي “مورجان ستانلي”، ولكن هذه الصفقة لا تجعل الأخير مؤسسة حكومية.

 

– في بعض الأحيان يتم استخدام مصطلح “شركة مرتبطة بالحكومة” (GLC) للإشارة إلى الكيانات المؤسسية التي قد تكون خاصة أو مدرجة بالبورصة ولكن تمتلك الحكومة حصة بها عن طريق شركة قابضة تابعة لها.

 

– هناك تفسيران رئيسيان لمصطلح “الشركة المرتبطة بالحكومة”، الأول يشير إلى أن هذا الوصف ينطبق على أي شركة تمتلك بها الحكومة حصة مسيطرة (أكثر من 50%)، في حين يشير التفسير الثاني إلى أن أي شركة تمتلك بها الحكومة أي حصة مهما كان قدرها تعتبر شركة مرتبطة بالحكومة.

 

– غالبًا ما تعمل الشركات المملوكة للدولة في القطاعات التي يوجد فيها احتكار طبيعي، أو للحكومة مصلحة استراتيجية بها، غير أن الملكية الحكومية للشركات الصناعية أمر شائع أيضًا.

 

بزوغ نجم الخصخصة

 

– وفقًا لمؤيدي الخصخصة، تسليم الحكومات دفة إدارة هذه الشركات والكيانات إلى القطاع الخاص يعتبر اتجاهًا حكيماً لأنه سيحقق تحسنًا كبيرًا في كفاءة ونوعية الخدمات العامة، وسيساهم كذلك في خفض الضرائب، ويجادلون أيضًا بأن سلوك مدراء القطاع الخاص الذي تحكمه الربحية فقط، سيؤدي دون شك إلى خفض التكاليف وزياة الاهتمام برضا العملاء (المواطنين).

 

– فجأة أصبح هذا الإيمان الجديد بفوائد الخصخصة ظاهرة عالمية في التسعينيات. وفي جميع أنحاء العالم، بدأت حكومات كثيرة في تسليم القطاع الخاص زمام السيطرة على كل شيء تقريبًا، بداية من مرافق الكهرباء والمياه ومرورًا بالسكك الحديدية والخدمات الصحية والتعليمية وانتهاء بالسجون.

 

– في نهاية الثمانينيات بلغت حصيلة خصخصة الشركات والمؤسسات الحكومية في جميع أنحاء العالم حوالي 185 مليار دولار، وفي عام 1990 وحده باعت الحكومات حول العالم أصولاً بقيمة 25 مليار دولار، وذلك بحسب دراسة نشرتها “هارفارد بيزنس ريفيو” في نوفمبر/تشرين الثاني 1991.

 

– واحدة من أكبر صفقات الخصخصة في ذلك الوقت تمت في بريطانيا، حين دفع المستثمرون أكثر من 10 مليارات دولار مقابل الاستحواذ على 12 شركة كهرباء إقليمية. أما نيوزيلندا فقد باعت أكثر من 7 شركات مملوكة للدولة من بينها شركة الاتصالات السلكية واللاسلكية وشركة الطيران الوطنية مقابل سعر تجاوز 3 مليارات دولار.

 

 

– البلدان النامية هي الأخرى سارعت لركوب قطار الخصخصة، ولكن أسباب إقدامها على تلك الخطوة تنوعت بين سياسية وآيديولوجية واقتصادية، وفي أحيان أخرى كان الهدف هو مجرد زيادة الإيرادات العامة.

 

– على سبيل المثال، أطلقت الأرجنتين برنامجًا للخصخصة يشمل بيع خدمات الهاتف المحتكرة وشركة الطيران الوطنية وشركة للبتروكيماويات مقابل حوالي 2.1 مليار دولار. بينما أسفرت الجهود المكثفة التي بذلتها المكسيك في أنشطة الخصخصة عن عائدات بلغت حوالي 2.4 مليار دولار حتى عام 1991.

 

– لكن على الجانب الآخر، يؤكد منتقدو الخصخصة أن الملكية الخاصة لا تترجم بالضرورة إلى تحسن الكفاءة. والأهم من ذلك هو أن استراتيجيات مدراء القطاع الخاص التي لا تعتمد سوى على الربح قد تجعل بعض الخدمات الأساسية غير متاحة لقطاعات كبيرة من السكان لا تستطيع تحمل تكلفتها.

 

– فالشركة التي لا يهمها سوى الربح، قد تختار مثلًا ألا تقوم بتوفير الرعاية الصحية للمعوزين أو توسيع نطاق الخدمات التعليمية لتشمل الفقراء وأصحاب الاحتياجات الخاصة.

 

هل تهم هوية المالك؟

 

– النقطة الرئيسية التي يدور حولها النقاش بين مؤيدي ونقاد الخصخصة هي حول الدور الصحيح للحكومة في ظل الاقتصاد الرأسمالي. مؤيدو الخصخصة من جهة يعتبرون دور الحكومة غير ضروري بل ينظرون إليه أحيانًا على أنه يشكل عبئا على النظام الاقتصادي، بينما ينظر نقاد الخصخصة من جهة أخرى إلى الحكومة باعتبارها لاعبًا حاسمًا في النظام الاقتصادي.

 

– في أن هناك منظورا ثالثا مفاده: أن الفكرة ليست في ما إذا كانت هذه الشركات ملكية خاصة أو عامة، ولكن السؤال المهم هو: تحت أي ظروف سيحرص المديرون (سواء من القطاع العام أو الخاص) على العمل لصالح الجمهور؟

 

– هذا السؤال يؤدي إلى تحويل دفة النقاش بعيدًا عن الأساس الآيديولوجي للخصخصة مقابل التأميم، ويصل بنا إلى أساس أكثر واقعية يمكننا التوصل من خلاله إلى إجابات مقنعة. وفي هذا السياق يمكننا قياس إيجابيات وسلبيات الخصخصة وفقًا لمعايير الإدارة الجيدة، بصرف النظر عن هوية المالك. وهنا تبرز ثلاثة استنتاجات.

 

– الأول: لا المدير العام ولا الخاص سوف يعمل دائمًا لمصلحة الجمهور أو المساهمين. والخصخصة لن تكون فعالة إلا إذا كان لدى المديرين بالقطاع الخاص حوافز كافية تدفعهم للعمل من أجل المصلحة العامة.

 

– الثاني: من الممكن الجمع بين الأرباح وخدمة المصلحة العامة بشكل أفضل، ولكن بشرط أن تكون الخدمة أو الشركة الحكومية أو المخصخصة موجودة في سوق تنافسية. لا شيء يهذب السلوك الإداري للشركات أكثر من المنافسة.

 

– الثالث: عندما لا تتحقق هذه الشروط، فإن استمرار المشاركة الحكومية في إدارة هذه الشركات قد يكون ضرورياً. ومرة أخرى، نقل الملكية من القطاع العام إلى أيدي القطاع الخاص لن يؤدي بالضرورة إلى خفض التكلفة وتحسين نوعية الخدمات.

 

“إير نيوزلاند” .. تأميم ثم خصخصة ثم تأميم

 

– بعد أن قامت بخصخصتها في عام 1989، عادت نيوزيلندا مرة أخرى وقامت بتأميم شركة الطيران الوطنية “إير نيوزلاند” في عام 2001، وذلك بغرض إنقاذها بعد أن تورطت إدارتها في صفقة اندماج كارثية مع شركة الطيران الأسترالية (التي خرجت من النشاط في ذلك العام) “إنسيت أستراليا”.

 

– أكثر ما كانت تخشاه الحكومة النيوزيلندية في ذلك الوقت هو عدم وجود شركات طيران ملتزمة بالعمل في البلاد وهو ما سيؤثر على السياحة التي تعتبر من بين أهم القطاعات الاقتصادية في البلاد.

 

– بالفعل، أثبت الزمن أن الحكومة النيوزيلندية اتخذت القرار الصحيح بقيامها بإعادة تأميم الشركة وإنقاذها من الإفلاس، حيث ارتفع عدد السياح الوافدين إلى نيوزيلندا سنويًا بنسبة 51% في الفترة بين عامي 2000 و2013، بينما بلغ إيرادات القطاع السياحي حوالي 24 مليار دولار في عام 2013 وحده.

 

– تحسنت ربحية الشركة منذ أن عادت لسيطرة الحكومة، وخلال الأشهر الستة المنتهية في فبراير/شباط 2014 ارتفعت أرباحها بنسبة 40% لتصل إلى 140 مليون دولار نيوزيلندي، كما صنفت الشركة كأفضل شركة طيران في العالم في عام 2014، وذلك وفقًا لبيانات شركة الخدمات المهنية ” برايس ووترهاوس كوبرز”.

 

السر يكمن في المنافسة

 

– خصخصة الأصول أو الخدمات الحكومية هي عملية تكتنف على تغيير تنظيمي جذري، والجمهور من جهته يرغب في تحقيق الاستفادة النقدية وغير النقدية على حد سواء، فهو يريد المساواة في الحصول على الخدمات والالتزام بمعايير الأداء ومحاصرة الفساد.

 

– على سبيل المثال، إذا فكرنا في خدمة مثل خدمة جمع القمامة، فنجد أن أهداف الجمهور تتلخص في الآتي: وصول الخدمة إلى جميع أفراد المجتمع بتكلفة متساوية، والتخلص من النفايات بطرق سليمة بيئيًا، وقيام مسؤولي المدينة أو البلدية بإجراء عطاءات نزيهة.

 

– لكن من أجل تحقيق هذه الأهداف يجب على الشركات المخصخصة أن تتعلم درسًا تعلمته قبلها منظمات المجتمع المدني الناجحة، وهو أن المديرين يجب أن يكون لديهم حوافز فعالة من أجل العمل لصالح الجمهور.

 

– باختصار، ستعمل الخصخصة على أفضل وجه عندما يجد مديرو الشركات المخصخصة أن من مصلحتهم خدمة المصلحة العامة. ولكي يحدث ذلك، يجب على الحكومة أن تحدد المصلحة العامة بطريقة تمكن مقدمي الخدمات من فهمها ليتعاقدوا معها على أساسها.

 

– مدينة ” فينيكس” عاصمة ولاية أريزونا الأمريكية لديها تجربة لافتة مع خدمة جمع القمامة ذكرها كل من “ديفيد أوزبورن” و”تيد جايبلر” في كتابهما “إعادة اختراع الحكومة” الصادر في عام 1992، توضح الدور الحاسم الذي تلعبه المنافسة في تحسين الكفاءة.

 

– في عام 1978 أعلن رئيس البلدية أن المدينة سوف تقوم بتسليم أعمال جمع القمامة للشركات الخاصة. ولكن مدير دائرة الأشغال العامة بالبلدية أصر على السماح للدائرة بالمشاركة وتقديم عطاء منافس لعطاءات الشركات الخاصة، وذلك على الرغم من أن البلدية تعهدت بأنه لن يتم تسريح أي من موظفي الدائرة إثر التعاقد مع الشركات الخاصة.

 

– بالفعل شاركت دائرة الأشغال العامة في العطاءات، ولكنها خسرت 4 عطاءات متعاقبة، إلى أن قام موظفو الدائرة في عام 1984 بتقديم عطاء احتوى على مجموعة من الابتكارات ساعدتها على تصميم عرض تكلفته أقل بكثير من العروض المقدمة من قبل الشركات الخاصة، وفازت الدائرة بعقد مدته 7 سنوات عن أكبر منطقة بالمدينة.

 

– بحلول عام 1988، كانت خدمة جمع القمامة في المناطق الخمس المشكلة للمدينة تتم بمعرفة دائرة الأشغال العامة. والدرس المستفاد من هذه التجربة، هو أن الفكرة ليست في ما إذا كان مقدم الخدمة من القطاع العام أو من الخاص، المهم هو وجود منافسة.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى