العالم الاسلامي

خسائر فادحة بسبب تحريره.. الجنيه المصري


تمر هذه الأيام الذكرى الرابعة لتحرير سعر صرف الجنيه المصري لأول مرة في تاريخه أمام الدولار، ما كبده خسائر فادحة غير مسبوقة انعكست بالسلب على المواطنين والدولة معا.

حيث التهم القرار أكثر من نصف قيمة مدخرات المصريين جميعا من جهة، وأدى إلى موجة كبيرة وغير مسبوقة في ارتفاع الأسعار؛ ليصبح النصف الثاني من ثرواتهم ومدخراتهم تحت رحمة الأسعار.

وعلى مستوى الدولة؛ غرقت البلاد في بئر عميق من الديون لا يتوقع خروجها منه خلال عقود قادمة؛ بسبب وصولها لمستويات تاريخية، وتمتد آجالها نحو نصف قرن من الزمن.

في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، قرر البنك المركزي المصري تحرير سعر صرف الجنيه حيث يكون تحديد سعر العملة وفقا لآليات العرض والطلب، وهو ما يعرف أيضا بتعويم العملة.

ماذا يعني التعويم؟

قبل قرار التعويم، كان البنك المركزي يعمل على إدارة سعر الصرف باستخدام أدوات من بينها عطاءات دورية لبيع الدولار للبنوك يتم من خلالها ضبط سعر الصرف.

لكن التعويم يعني أنه تخلى عن هذه السياسة، وأنه سيترك تحديد سعر العملة لقوى العرض والطلب في السوق، وارتفع الدولار على مدار الشهور التالية للتعويم من 8.8 جنيهات إلى أن لامس حدود 20 جنيها.

وتحرير سعر الصرف هو أحد المطالب الرئيسية، التي يطالب بها صندوق النقد الدولي حتى يوافق بشكل نهائي على إقراض مصر 12 مليار دولار على مدى 3 سنوات.

تلاشت نغمة زيادة الاحتياطي النقدي -أغلبه ديون- في مصر الذي ارتفع، للمرة الأولى، إلى 45.246 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول 2019، قبل أن يهبط إلى 39.22 مليار دولار في أكتوبر/تشرين الأول؛ بسبب تداعيات جائحة فيروس كورونا.

تحرير سعر الصرف هو أحد المطالب الرئيسية التي يطالب بها صندوق النقد الدولي حتى يوافق بشكل نهائي على إقراض مصر

أرقام مقلقة

لكن ماذا عن الصادرات والواردات بعد وعود وردية بارتفاع الصادرات وتراجع الواردات؟

اعلان

الأرقام تفند تلك الوعود، فقد بلغت واردات مصر خلال 2019 نحو 76.4 مليار دولار، مقابل 68.1 مليار دولار في 2016، وفق الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

وبلغت صادرات مصر في 2019 نحو 29.8 مليار دولار فقط، مقابل 21.7 مليار دولار في 2016؛ أي إن الواردات زادت بنحو 8 مليارات دولار ومثلها الصادرات.

اختيار أم اضطرار

لكن هل كانت مصر مضطرة لهذه الخطوة، يقول شريف عثمان، الخبير المصرفي بمؤسسة واشنطن أناليتيكا بالعاصمة واشنطن، إن “تعويم الجنيه كان ضروريا بعد أن اتسعت الفجوة بين السوق الرسمية والموازية، ووقع الكثير من الأخطاء في إدارة مرحلة ما بعد التعويم”.

وأوضح في حديثه للجزيرة نت، أن ذلك أدى إلى وصول سعر الدولار لأكثر من 20 جنيها، قبل أن يتم استخدام القروض الخارجية لإعطاء قوة وهمية للجنيه المصري.

النتيجة الواضحة للتعويم، هي تخفيض قيمة الأصول المصرية أمام الأجانب، وفق الخبير المصرفي، وبالتالي سهلت شراءهم لها؛ وهو ما حدث في بيع كثير من الأراضي والعقارات والمستشفيات وبعض الشركات لمستثمرين سعوديين وإماراتيين تحديدا، وبأسعار زهيدة.

في ختام حديثه، أكد عثمان، أن التعويم في حد ذاته لا ينفع ولا يضر؛ لكن ما يلي القرار من خطوات هي التي يمكن أن تنفع الاقتصاد المصري والمصريين، وهو ما لم ألحظه حقيقة حتى الآن.

قبل قرار التعويم كان البنك المركزي يعمل على إدارة سعر الصرف باستخدام أدوات من بينها عطاءات دورية لبيع الدولار للبنوك (الجزيرة)

فقر متزايد

حتى الآن تعزف الحكومة المصرية عن إصدار إحصائية جديدة بنسبة الفقر في البلاد، ويعود آخر إحصاء رسمي خلال الفترة بين عامي 2016 إلى 2018، حيث ارتفعت نسبة المصريين تحت خط الفقر إلى 32.5% (أي نحو 33 مليون مصري) مقارنة بنسبة 27.8%.

على الورق فإن الأرقام مشجعة وتبعث على التفاؤل، لكن ليس للمصريين إنما للحكومة والمؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة، وتقول الحكومة المصرية إن الاقتصاد نما 3.5% في السنة المالية المنتهية في 30 يونيو/حزيران الماضي، وقبل أزمة فيروس كورونا، كانت الحكومة تستهدف نموا (عاليا) عند 5.8% في السنة المالية 2019-2020.

لكن مع هذا النمو -في الدفاتر- قفزت الأسعار، وزادت الديون، وانتهى زمن الدعم، في المقابل انخفضت الثروات والمدخرات وتراجعت الأجور، وانكمش نمو الشركات والمصانع مع نمو الصادرات -رغم حجمها المتواضع- بشكل بسيط.

من حفرة إلى بئر

في معرض تعليقه يقول رجل الأعمال المصري الأميركي، محمد رزق، إن “الإجابة على سؤال، لماذا أقدمت الحكومة على تعويم الجنية المصري؟ الإجابة قد تبدو سهلة؛ ولكنها أعمق من ذلك بكثير.. الحكومة المصرية كانت مجبرة على ترك الحماية التي تفرضها على تقييم الجنية المصري مقابل العملات الأجنبية، وخاصة الدولار؛ للحفاظ على الاحتياطي النقدي”.

لكنه رأى، وفق تصريحه للجزيرة نت، “أن تعويم الجنية المصري لم يحل المشكلة من جذورها؛ لذلك لم تكن هناك حاجة ملحة لتعويم الجنيه، وقد شبهته من قبل بالخميس الأسود، سيدفع اقتصاد مصر ثمنا باهظا له مهما تأجل، ولا أريد المبالغة بالقول إنه سوف يكون السبب الرئيسي في انهيار الاقتصاد المصري حال توقف حصول مصر على الديون الخارجية أو نضوب منابعها لسبب أو لآخر”.

وذهب الخبير الاقتصادي أيضا للقول بأن التعويم هو بداية المشاكل الحقيقية للاقتصاد، وبلا أدنى شك لم يجن الشعب إلا تبخر 60% من مدخراته، وانفجار الأسعار.

أما الحكومة، والحديث ما يزال لرزق، فقد استغلت التعويم لجذب المال الساخن للاستثمار في السندات وأذون الخزانة بفائدة مرتفعة مما لا يعود على الاقتصاد بفائدة تذكر، فضلا على الدخول في دوامة الديون، والتي تلتهم خدماتها أكثر من ثلث ميزانية الدولة السنوية.

وارتفعت الديون الخارجية بشكل متسارع ومقلق، إلى 123.5 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران الماضي، مقابل 108.7 مليارات دولار في نهاية يونيو/حزيران 2019، بحسب بيانات صادرة عن البنك المركزي المصري.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: