العالم الاسلامي

حصاد 2020.. لبنان الجريح يودع “عام الانفجار” بندوب اقتصادية


يصح في وصف عام 2020 في لبنان بأنه عام الكارثة أو الانفجار بعد أن عاش أشهرا صعبة ستترك ندوبها على مستقبل الاقتصاد والاجتماع والسياسة.

 

ومع اقتراب 2020 من إسدال ستاره بعد أيام مثقلة بأحداث فظيعة فاقمها فيروس كورونا، تستعرض “العين الإخبارية” أبرز المحطات التي أدت إلى وصول لبنان لهذه المرحلة وانعكاسها على البلاد والشعب بشكل عام.

 

انهيار الليرة أمام الدولار

بدأ عام 2020 على انهيار متدرّج لقيمة الليرة اللبنانية التي كانت مستقرة لعشرات السنوات على سعر صرف 1500 للدولار الواحد، وصولا إلى شهر يونيو/حزيران، حيث سجّل صرف الدولار أعلى مستوياته ملامسا 10 آلاف ليرة في السوق السوداء ليعود ويتراجع قليلا ويستقر نهاية العام ما بين 7500 و8500 ليرة بحسب الظروف السياسية التي كانت ترافق كل مرحلة.

وأتى ذلك في وقت فرضت فيه المصارف قيوداً مشددة على الودائع بالعملة الخضراء وبات يقتصر السحب على ما بين 100 و500 دولار كحد أقصى أسبوعيا وصولا إلى توقيفه بشكل نهائي لتعود بعدها المصارف وتعتمد سعر صرف 3990 ليرة للسحوبات النقدية من الودائع بالدولار في شهر يونيو/حزيران، بناء على تعميم من المصرف المركزي وهو ما أدى أيضا إلى تنشيط السوق السوداء لشيكات الدولار حيث بات اللبنانيون يشترونها بالليرة اللبنانية بصرف بين 2500 والـ 3000 ليعودوا ويقبضونها من البنك بصرف الـ 3990 ليرة.

ارتفاع أسعار الوقود والأغذية

وفيما بقي سعر الصرف الرسمي مثبتاً عند 1517 ليرة انعكس هذا الارتفاع والفوضى على زيادة غير مسبوقة في أسعار المواد الاستهلاكية والغذائية واحتكارا لها من قبل التجار في موازاة تهريب الأنواع المدعومة منها في ظل غياب للمراقبة.

لكن في الجانب الآخر وفيما كانت القيود تشتد على المودعين، كان كبار المسؤولين يهربون أمولهم إلى الخارج بمبالغ كبيرة، وهو ما كشفه مدير عام وزارة المال المستقيل ألان بيفاني، مؤكدا أن المصارف اللبنانية «هرّبت» حوالي 6 مليارات دولار منذ بدء الانتفاضة الشعبية في أكتوبر (تشرين الأول) واتهم السياسيين والمصرفيين بالاستفادة من النظام لإبعاد أي خسارة عنهم ثم ينتهي الأمر بأن يدفع الشعب ثمن الانهيار.

التخلف عن سداد الديون

في 23 مارس/ آذار أعلنت وزارة المالية أن لبنان سيتوقف عن تسديد مستحقات سندات اليوروبوند بقيمة 1,2 مليار دولار، وسعيها للتفاوض مع الدائنين في الخارج لإعادة هيكلة الدين العام في ظل تراجع الاحتياطات بالعملة الأجنبية.

ويرزح لبنان تحت ديون تصل قيمتها إلى 92 مليار دولار، ما يشكّل حوالي 170 بالمئة من الناتج المحلي وفق تقديرات وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد لآند بورز” وهي من بين النسبة الأعلى في العالم.

مفاوضات فاشلة مع صندوق النقد

وفي نهاية أبريل / نيسان أقرّت الحكومة خطة إصلاحية وطلبت مساعدة صندوق النقد الدولي آملة بالحصول على أكثر من 20 مليار دولار.

وتضمنت الخطة التقشفية الممتدة على خمس سنوات إصلاحات على مستويات عدة بينها السياسة المالية وميزان المدفوعات والبنى التحتية، وإعادة هيكلة للديون والمصارف.

لكنها احتوت إجراءات موجعة تطال المواطنين مباشرة على غرار تجميد التوظيف في القطاع العام وخفض عدد المتعاقدين وعدم ملء آلاف الوظائف بعد تقاعد من يشغلها باستثناء المواقع الحساسة.

وتعتمد الخطة تقدير سعر الصرف بـ3500 ليرة مقابل الدولار، بعدما كان مثبتا طوال عشرات السنوات على حوالي 1500 ليرة، وهو الأمر الذي بات الخبراء يستبعدون حصوله، معتبرين أن تثبيت سعر الصرف لا يمكن أن يكون على أقل من 5 آلاف ليرة.

وفي مايو/أيار بدأت الحكومة اللبنانية مفاوضاتها مع صندوق النقد الدولي. ومن اللحظة الأولى كان واضحا أن المسار لن يكون سهلا بل شاقا ومعقدا لا سيما مع الاختلاف بين تقديرات الحكومة لخسائر الدولة وبين تقديرات المصرف المركزي وجمعية المصارف.

وكان تقدير الحكومة للخسائر بـ241 ألف مليار ليرة لبنانية بينما قدّرتها لجنة تقصي الحقائق البرلمانية بما بين 60 و91 ألف مليار ليرة، فيما اعتبر صندوق النقد أن أرقام الحكومة هي الأقرب إلى الواقع.

وبعد أسابيع قليلة على بدء المفاوضات تحدث ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في لبنان يان كوبيش عن فساد الطبقة السياسية ما أوحى بتعثرها.

وكتب كوبيش على حسابه على تويتر قائلا “إن الأرقام المختلفة التي قدمتها كل من الحكومة ومصرف لبنان حول الخسائر بالإضافة إلى عدم إحراز تقدم في التعيينات القضائية وغيرها من التعيينات والتأخير في إصلاح قطاع الكهرباء كلها عوامل تضعف موقف لبنان في المناقشات مع صندوق النقد الدولي، لا يمكن للبلد أو الشعب تحمل ذلك أكثر”.

لم يطل أمد المفاوضات حتى أعلن وزير المالية اللبناني غازي وزني عن تعليقها في 3 يوليو (تموز). وقال وزني إن محادثات لبنان مع صندوق النقد الدولي جُمدت في انتظار بدء إصلاحات اقتصادية والاتفاق لبنانياً على مقاربة موحدة لحساب الخسائر، ومنذ ذلك الحين لا يزال الوضع على حاله من دون الاعلان عن أي أمر جديد.

التدقيق الجنائي والسرية المصرفية

في نهاية يوليو تموز اتخذت الحكومة قرارا بالتعاقد مع شركة “ألفاريز أند مارسيل” لتولي مهمة التدقيق المالي الجنائي في المصرف المركزي وهو ما قال حينها رئيس الحكومة حسان دياب أنه سيشكّل حجر الأساس الذي يبنى عليه الإصلاح واصفا اياه بالقرار التاريخي الذي سيشكل تحولا جذريا في مسار كشف ما حصل على المستوى المالي من هدر وسرقات في لبنان.

لكن هذه الأمنيات كلّها ذهبت هباء عند تمنّع المصرف المركزي عن تسليم كل ما طلبته الشركة بحجة “السرية المصرفية” التي ينص عليها قانون النقد والتسليف في لبنان، لتعود الشركة وتعلن انسحابها من المهمة لعدم حصولها على المستندات الكافية.

ولاحقا، رفع البرلمان السرية المصرفية لمدة عام، ودعت الحكومة “”ألفاريز أند مارسيل” لاستئناف التدقيق مجددا.

انفجار بيروت.. خسائر تجاوزت 8 مليارات دولار

في مساء الرابع من شهر أغسطس/آب هزّ انفجار صنّف بالأكبر عالميا، العاصمة اللبنانية بيروت. انفجار قضى على ما تبقى من مقومات عيش في هذه المدينة بشكل خاص ولبنان بشكل عام.

دمّر أكثر من نصف بيروت وأدى إلى سقوط أكثر من مئتي قتيل و6 آلاف جريح، فيما قدّر البنك الدولي الخسائر الاقتصادية الناتجة عنه بما بين 6,7 و8,1 مليارات دولار، معلنا أن لبنان بات يحتاج بشكل عاجل إلى ما بين 605 و760 مليون دولار للنهوض مجددا.

وعلى وقع الكارثة أبدت دول عدة استعدادها لمساعدة لبنان وعلى رأسها فرنسا التي تحرّك رئيسها على أكثر من خط وزار بيروت بعد أيام على الانفجار، وكان خلف عقد مؤتمرين لمساعدة لبنان كان آخرهما في 2 ديسمبر/ كانون الأول بدعوة مشتركة منه والأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش، ومشاركة 32 دولة و12 منظمة دولية و7 منظمات مجتمع مدني لبناني.

وأكد المؤتمر أن الالتزامات التي تم التعهد بها في ما يتعلق بالمساعدات الطارئة منذ 4 أغسطس/آب تم الوفاء بها، من حيث النوعية والكمية، في كل المجالات ذات الأولوية التي حددتها الأمم المتحدة آنذاك، بما في ذلك الصحة والتعليم وإعادة التأهيل الحضري والغذاء، وأعلن خلال المؤتمر أنه في حين تم التعهد بتقديم 257 مليون يورو، تم دفع أكثر من 280 مليون يورو .

مع العلم أن المساعدات تقدم عبر الجيش اللبناني ومؤسسات المجتمع المدني وليس المؤسسات الرسمية لعدم الثقة بها.

لكن ورغم هذه المساعدات فان هذه الكارثة أدت إلى تفاقم انكماش الاقتصاد اللبناني وتفاقم الفقر الذي كان يقدّر بحوالي 45% فيما ارتفعت النسبة بعد وقوعه إلى أكثر من 55% وهذا ما أشار إليه المشاركون في المؤتمر.

واتفق المؤتمر مع البنك الدولي على أن لبنان في حال إفلاس مالي وكساد متعمد، مع التأكيد على أنع لا يزال بإمكانه أن يكون دولة ناجحة إذا تم تنفيذ الإصلاحات بسرعة.

رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية

منذ منتصف العام ومع تفاقم الوضع الاقتصادي والمالي بدأ الحديث عن خطة لرفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الذي يكلّف المصرف المركزي شهريا 600 مليون دولار أمريكي، مقابل العمل على تأمين بطاقات تموينية للعائلات الفقيرة.

ويستخدم البنك المركزي احتياطيات النقد الأجنبي المتناقصة لدعم الواردات الرئيسية مثل القمح والوقود والأدوية، لكن المشكلة تكمن في تهريب السلع المدعومة ولا سيما منها المحروقات إلى سوريا باعتراف المسؤولين أنفسهم لكن من دون أن تتخذ السلطات أي اجراءات للحد منها.

وبانتظار اتخاذ القرار حول رفع الدعم، يؤكد الخبراء أن هذا القرار من شأنه أن ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين وتزايد نسبة الفقر أكثر وأكثر في وقت لا يزال فيه الحد الأدنى للأجور محددا بـ675 ألفا، أي كان حوالي 450 دولارا عندما كان سعر صرف الدولار محددا بـ 1500 ليرة، لينخفض اليوم إلى حوالي 80 دولارا مع ارتفاع سعر الصرف إلى حوالي 8500 ليرة.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: