تقارير

حرب تحت الأرض بين الصين وأمريكا لقيادة العالم.. سر الرقم 17


سيشكل الرقم 17 في حال طبقت الصين تفاصيله خلال الفترة المقبلة، دفعة جديدة من توتر العلاقة بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.

ولم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، مرتبكة سابقا كما هي عليه الآن، على الرغم من مغادرة الرئيس الجمهوري دونالد ترامب، البيت الأبيض، وهو الذي نقل صراع البلدين من الغرف المغلقة إلى وسائل الإعلام.

العام الماضي، كتب صندوق النقد الدولي في ثنايا تقرير له، أن الصين تفوقت على الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد عالمي، بشكل مؤقت، بسبب تضرر الناتج المحلي الأمريكي، من تبعات جائحة كورونا، ما جعل الاقتصاد الصيني الأكبر عالميا.

ولكن، ما هي أوجه المنافسة التي تجعل واشنطن تشعر بالخطر من التفوق الصيني فيها، والعكس صحيح؟ خاصة مع تزايد الحديث عن انتقال القوة الاقتصادية من الغرب نحو الشرق، وسط تحول في هيكل الاقتصاد العالمي لصالح الرقمنة.

17 عنصرا طبيعيا

وقال جيمس ستافريديس، وهو أميرال بحري متقاعد بالبحرية الأمريكية وقائد عسكري سابق لحلف الناتو، في مقالة له نشرتها بلومبرج، وترجمتها للعربية “الشرق الأوسط”، إن 17 عنصرا نادرا تعد الصين مستخرجا رئيسا لها، قد تدفع علاقة واشنطن وبكين لمزيد من التوتر.

وتحولت العناصر الأرضية النادرة إلى ساحة حرب بين الولايات المتحدة والصين خلال السنوات الأخيرة، إذ تضم الأرض الصينية الواسعة أنواع كبيرة من هذه المعادن، وتعد بكين مصدرا شبه وحيد لاستخراجها.

تشير تقديرات إلى أن الصين قد تزيد من حصص إنتاج هذه المعادن خلال الربع الأول الجاري كبادرة من حسن النوايا مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

غير أن هناك مصادر أخرى تفيد بأن الحكومة الصينية قد تعتزم في نهاية الأمر، فرض حظر التصدير على العناصر الأرضية النادرة بصفة كلية لاعتبارات ومخاوف “أمنية”، فما الذي يجري هنا في الحقيقة؟

تحتوي الطبيعة على 17 عنصراً نادراً، هي: لانثانوم، سيريوم، براسيوديميوم، نيوديميوم، بروميثيوم، سماريوم، يوروبيوم، جادولينيوم، تيربيوم، ديسبروسيوم، هولميوم، إربيوم، ثوليوم، إيتربيوم، لوتيتيوم، سكانديوم، وإيتريوم.

وفي حين أن الكثير من هذه المعادن ليس نادراً في واقع الأمر من زاوية الرواسب العالمية، إلا أنَّ استخراجها عملية صعبة وباهظة التكاليف، وتعد الصين رائدة في عملية الاستخراج.

تستخدم تلك المعادن في الصناعات عالية التقنية، بما في ذلك الهواتف الذكية، والطائرات المقاتلة، والمكونات الداخلة في كافة الأجهزة الإلكترونية المتقدمة تقريباً.

تسيطر الصين على ما يقرب من 80% من سوق العناصر الأرضية النادرة، ما بين ما تعمل على استخراجه بنفسها، أو العمليات الجارية على المواد الخام من أماكن أخرى حول العالم.

وإذا ما قررت الحكومة الصينية الاستعانة بسلاح تقييد الإمدادات من هذه العناصر –الأمر الذي هدَّدت به بكين مراراً وتكراراً من قبل– فمن شأن ذلك أن يخلق تحديات هائلة أمام المصنعين.

في عام 2010 هددت الحكومة الصينية بقطع الصادرات إلى اليابان بشأن جزر “سينكاكو” المتنازع عليها بينهما؛ وقبل عامين، أفادت التقارير الواردة باعتزام الحكومة الصينية النظر في فرض قيود على الصادرات إلى الولايات المتحدة بصورة عامة.

كانت إدارة الرئيس السابق ترامب قد أصدرت أمراً تنفيذياً بشأن تحفيز إنتاج العناصر الأرضية النادرة في البلاد، كما أنشأت “مبادرة حوكمة موارد الطاقة” بهدف تعزيز عمليات التعدين الدولية.

ثورة 5G

تسبق الصين الولايات المتحدة بأنظمة ترددات الجيل الخامس للإنترنت (5G)، الذي يتوقع أن يحدث ثورة في عالم الإنسانوية الجديدة القائمة على الرقمنة على إنترنت الأشياء وإنترنت الاستشعار وإنترنت الحواس.

ما تزال الشركات التكنولوجية الأمريكية، متأخرة كثيرا عن نظيرتها الصينية في التوصل إلى بناء معدات وأنظمة قادرة على توفير سرعة الإنترنت التي تقدمها الشركات الصينية وأبرزها هواوي.

في الواقع، تأمل الصين في أن تصبح المورّد الرئيسي لتكنولوجيا الجيل الخامس، وكل المواد اللوجستية المتعلقة بهذه التكنولوجيا، وهي تحث زبائنها على اعتماد رؤية للشبكة تقارب رؤيتها.

تدعو الصين دول العالم إلى استخدام “السور الرقمي العظيم” الذي تتصدره مجموعة “هواوي”، هذه الشركة التي ما برحت واشنطن تضغط على حلفائها من أجل إقصائها، بحجة تجسس الشركة لحساب بكين.

الطلاق التجاري

لم تنجح إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق، في تحقيق طلاق تجاري بين واشنطن وبكين، فعلى الرغم من تراجع الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة، إلا أن الأخيرة تعتمد بشكل كبير على بكين لتوفير 25% من حاجتها في عديد الصناعات.

ولم ينجح ترامب في الإضعاف (البسيط) لحجم صادرات الصين إلى بلاده، دون الضغط على عديد الشركات المحلية، مثل مايكروسوفت وجوجل وأبل وأمازون، إذ ما تزال هذه الشركات تتعامل مع الشركات الصينية للحصول على حاجتها لإكمال منتجاتها.

سباق النمو

سجلت الصين نسبة نمو بلغت 2.3% خلال العام الماضي 2020، وهي واحدة من دول قليلة جدا حول العالم التي تسجل نموا إيجابيا في أسوأ الأعوام على مستوى الاقتصاد العالمي، منذ الكساد الكبير عام 1929.

منذ سبعينات القرن الماضي حتى نهاية 2019، لم تسجل الصين نموا أقل من 5% سنويا، بينما لم تسجل الولايات المتحدة نموا فوق 5%، بينما منذ 1984 لم تحقق الولايات المتحدة نموا فوق 5% بحسب بيانات النمو التاريخية.

نهاية العام الماضي، قال مركز رائد للأبحاث الاقتصادية إن الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم بحلول عام 2028، متفوقة بذلك على الولايات المتحدة، قبل خمس سنوات مما كان متوقعا في السابق.

وأفاد مركز الاقتصاد وأبحاث الأعمال (سي إي بي آر) -ومقره في بريطانيا- بأن وباء كورونا وتداعياته الاقتصادية كانت لصالح الصين، مضيفا أن إدارة بكين الماهرة للأزمة ستجعلها الاقتصاد العالمي الرئيسي الذي سيتوسع العام المقبل.

رعب التوطين

أصبح هاجس توطين الصناعات، أولوية وقضية أمن قومي لكل من الولايات المتحدة والصين، وسط سباق لتقليل اعتماد كل بلد على الآخر، في عديد الصناعات المرتبطة بالطاقة والتكنولوجيا وأشباه الموصلات.

وتعود قضية تصنيع أشباه الموصلات إلى الصدارة مجددا مع النقص الكبير الحادث في الرقائق اللازمة لصناعة السيارات، بحسب مقال نشرته “العين الإخبارية” الشهر الماضي للكتاب مجدي صبحي.

وأصبحت رقائق أشباه الموصلات منذ العام الماضي قضية أمن قومي في كل من الولايات المتحدة والصين؛ فالولايات المتحدة التي تعد رائدة الابتكار في هذه الصناعة تضاءل التصنيع فيها إلى حد كبير، وتركت هذه المهمة إلى منتجين آخرين مثل تايوان وكوريا الجنوبية.

ويرى البعض أن هذا الاتجاه يعرّض الأمن القومي الأمريكي للخطر في صناعة مهمة تقع في قلب كل التكنولوجيات الجديدة، بينما تتبنى الصين الآن استراتيجية للاعتماد التكنولوجي على الذات، خاصة في مجال أشباه الموصلات.

ويعكف فريق الرئيس جو بايدن على إقرار أمر تنفيذي يوجه الحكومة لمراجعة واسعة لسلاسل الإمداد لسلع حيوية خلال الأسابيع القليلة المقبلة، مع الوضع في الاعتبار نقص رقائق أشباه الموصلات كقضية مركزية في هذا التدقيق.

وسوف يلزم هذا الأمر التنفيذي بمراجعة تمتد لمدة 100 يوم من قبل مجلس الاقتصاد القومي ومجلس الأمن القومي للتركيز على صناعة أشباه الموصلات والمعادن الحيوية، والمستلزمات الطبية والبطاريات ذات القدرات العالية.

أما الصين، فإنها تأخذ خطوات حاسمة لحماية نفسها من الحظر التكنولوجي الأمريكي المتسع، حيث ارتفعت الواردات من رقائق أشباه الموصلات والآلات التي تقوم بصنعها خلال العام الماضي.

فقد اشترت دوائر الأعمال الصينية من اليابان، وكوريا الجنوبية، وتايوان ومن أماكن أخرى ما قيمته 32 مليار دولار من معدات صناعة رقائق أشباه الموصلات المستخدمة في صناعة الكومبيوتر، وتزيد هذه القيمة بمقدار 20% عما تم شراؤه في عام 2019.

وفي حالة شركات مثل هواوي للتكنولوجيا قفزت الواردات لتخزين الإمدادات من رقائق الكومبيوتر مستبقة الحظر الأمريكي لتبلغ نحو 380 مليار دولار أي نحو 18% من إجمالي الواردات الصينية خلال العام الماضي.

ليس لدى الصين حتى الآن القدرة على تصنيع معدات تصنيع أشباه الموصلات الراقية التي تحتاجها؛ وتستثمر بكثافة في هذا القطاع، لكن النجاح كما يرى الخبراء يتطلب بذل الجهد على مدى أكثر من عقد من الزمن.

السياسة.. التحدي الاستراتيجي

في مقال له بعنوان “الصين في عيون الإدارة الأمريكية الجديدة”، ونشرته العين الإخبارية الأسبوع الماضي، يرى كاتبه علي الدين هلال، أن الصين هي التحدي الاستراتيجي الرئيسي الذي يهدد مكانة الولايات المتحدة ودورها في العالم.

وعلى الرغم من اختلاف مظاهر التعبير عن سياسة أمريكا تجاه الصين، لكن هدفها جميعا كان واحداً وهو تحجيم دور الصين والضغط على الدول الحليفة للتقليل من تعاملاتها معها.

وتعتبر واشنطن تحالف بكين وموسكو تهديدا متصاعدا لهيمتنها العالمية، والذي ظهر مؤخراً في التنسيق بين البلدين لمنع صدور قرار من مجلس الأمن يُدين الانقلاب العسكري في ميانمار، ناهيك عن فرض عقوبات على القائمين به.

وتجلَّى الموقف الأمريكي المُعادي للصين في التصريحات التي أدلى بها كبار المسؤولين في الإدارة الأمريكية الجديدة، وتحديداً “وليم بيرنز” المرشح لمنصب مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، و”أنتوني بلينكن” وزير الخارجية، والرئيس بايدن نفسه.

بوليم بيرنز الذي كان أكثرهم صراحةً ووضوحاً في شهادته أمام لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ، فقد جاء فيها أن الصين هي التحدي الجيوسياسي الأكبر لأمريكا، ووصف القيادة الصينية بأنها “مفترسة”.

أما وزير الخارجية “أنتوني بلينكن” فقد كان أكثر دبلوماسية، فأشارت تصريحاته إلى قضايا الخلاف المعروفة بين البلدين كحرية التجارة واحترام حقوق الإنسان.

وتعكس تصريحات بايدن إدراكه العميق بخطورة التحدي الصيني، فقال مرة إن التفوق على الصين هو المهمة الرئيسية للحفاظ على الأمن القومي الأمريكي في العقود القادمة.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: