تقارير

حتى تحققي ما تريدي.. إليك هذه النصائح أثناء التفاوض

الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، لم يكن شخصا عاديا حتما، فمع كونه واحدا من أهم الفلاسفة التجريبيين في بداية عصر التنوير الأوروبي، فإنه كان في الوقت نفسه رجل دولة شديد الدهاء يمكن اعتباره النسخة الإنجليزية المنافسة لمكيافلي الإيطـالي، حيث اشتهر الاثنان بوضع مجموعة من القواعد التي لا يمكن قطعا وصفها بالأخلاقية في سبيل الوصول إلى السلطة والثروة. بالنسبة إلى بيكـون، فقد شقّ طريقه بمهارة إلى قمة الثـروة والسلطة في إنجلترا تحت حكم الملك جيمس الأول، ثم فقد كل شيء وقرر أن يقضي سنواته الأخيرة في كتابة ما تعلّمه.
في عام 1625، وقبل وفاته بعام واحد نُشر له مقال شهير بعنـوان “عن التفاوض”يتحدث فيه عن بعض الأساسيات الحاكمة التي يجب أن يلتزم بها أي أحد أثناء دخوله في عملية تفاوض من أي نوع، يقول في نهايتـه:

“إذا كنت بصدد أن تفاوض أي شخص، فعليك أن تعرف إما طبيعته وإما أساليبه، ومن ثمّ تستطيع أن تقوده. أو تعرف نقاط ضعفه ومساوئه، ومن ثمّ يمكنك أن تُرهبــه. أو تعرف هؤلاء الذين لهم مصالح مباشرة أو غير مباشرة معه، ومن ثمّ تستطيع أن تتحكم فيه. عليك -عندما تتعامل مع الخبثاء- أن تدرس غاياتهم بشكل جيد حتى تستطيع أن تؤوّل أحاديثهم بشكل صحيح، ومن المستحسن أن تُقلّ من الكلام، وأن تقول دائما الأمور التي لا يحثون عنها أو يتوقّعونها.

حسنا، من الصعب جدا التعقيب على مقولة فرانسيس بيكون باعتبار أنه لخّص كل شيء تقريبا، ولكن هذا لا يمنع من التوسّع قليلا في استعراض مجموعة من القواعد العامة للتفاوض يمكنك تطبيقهـا مهما كان نوع التفاوض الذي أنت بصدده، سواء كان تفاوضا على زيادة الراتب في وظيفتك الجديدة، أو تفاوضا بخصوص الحصول على تمويل لشركتك الناشئة.
1-افتحي جسورا للتواصل الدافئ مع الطرف الآخر:
واحدة من أهم تكتيكـات التفاوض الفعّـال هو فتح الجسور مع الطرف الآخر لتشمل أمورا شخصية تؤصّل لعلاقة أكثر انفتـاحا. بمعنى آخر، نوع من أنواع كسـر الجليد مع الطرف الآخر حتى لو كان موضوع التفاوض شديد الحساسية بالنسبة إليك.

في دراسة بحثيــة طُبّقت على طلاب من جامعة كيلوج وستانفـورد يخوضون تفاوضا عبر البريد الإلكتروني، وُجد أن الطلاب الذين شاركوا بعضهم البعض تفاصيل شخصية خارج نطاق التفاوض، كانت النتائج التفاوضية التي حققوها أفضل بكثير من النتائج التي حققها الطلاب الذين مارسوا التفاوض بشكل جاف ونمطي دون اللجوء إلى الحوارات الجانبيـة التي تشمل أمورا شخصية بعيدة عن موضوع التفاوض نفسه.
هذا الانفتـاح في التواصل مع الطرف الآخر يعطيه إشارات مهمة بأنك شخص يمكن الوثوق به، كما أنه يقلل من مستوى تحفّـزه العدائي تجاهك خصوصا في بدايات المفاوضات، ويجعله يبادلك الشعور الإيجابي.

2-استخدمي أرقاما محددة وليس قوالب عامة:
أغلب الناس ينتهجـون تلقائيا منهجا تفاوضيا معروفا بخصوص الأمور المالية، حيث تبدأ تفاوضك بطلب مبلغ كبيـر؛ فيقوم الطرف الآخر ببدء التفاوض معك لتقليل هذا المبلغ، أو طلب المزيد من الخدمات مقابل هذا المبلغ. هكذا تدور معظم المفاوضـات في كل المجالات تقريبا، ابدئي بوضع رقم كبير، ثم خُضي عملية التفاوض على هذا الرقم.
المشكلة أن الكثيرين دائما يميلون إلى وضع أرقام عامة، ونادرا ما يتم وضع أرقام محددة تماما.
في دراسة بحثية قامت بها كلية كولومبيا للأعمال، اقتـرحت أن تحديد أرقام معيّنة يكون له صدى جيد جدا أثناء التفاوض مع الطرف الآخر. بمعنى أنه بدلا من أن تستخدمي الأرقام المليئة بالأصفار، استخدمي رقما محددا ثابتا، فبدلا من أن تطلب مثلا مبلغ 5000 دولار -كرقم عام مليء بالأصفار-، اطلب 5130 دولارا وهو رقم محدد للغاية.

وفقا لهذه الدراسة، عند طرح أرقام محددة بعينها أثناء التفاوض، يعتبر الطرف الآخر أنك قمت بعمل دراسة محددة دقيقــة أوصلتك إلى هذا الرقم المحدد، وهو ما يجعل الطرف الآخر يميل أنك صادق وأنك تتفاوض بناء على معايير ثابتة ومحددة وليس مجرد تفاوض يعتمد على مهاراتك الخطابية، أو ضغطك في سبيل تحقيق مصالحك الشخصية فقط.

3- كوني لطيفة مع الطرف الآخر.. ولكن بحذر:
هذه قاعدة عامة في التفاوض، حيث لا يمكن أن تتم مفاوضات في أي مجال إلا إذا شاع جو عام من اللطف الهادئ على الأقل. لا أحد يتفاوض مع طرف متعجرف أو متغطرس أو يتحدث بأسلوب وقح أو بذيء.

يزداد أهمية إظهار اللطف إذا كان المعسكـر الآخر به إناث، فمن الطبيعي أن تكوني أكثر لطفا في استخدام عباراتك، مع الحذر الكامل من أن يتحوّل هذا اللطف إلى نمط يثير تحفّز الطرف الآخر أو عدوانيّته. في دراسة أجراها بروفيسـور في جامعة بيركلي، أكّدت أن الأسلوب اللطيف في التفاوض مع الأنثى يكون له وقع أفضل بكثير في جعل عملية التفاوض أكثر هدوءا ومصداقية، وتفهّم المعسكـر الآخر للأهداف التي تسعى إليها خلال التفاوض.
ومع ذلك، الأمر يتطلب الحذر. فمن الضـروري للغاية أن يكون “اللطف” رسميا وهادئا وله نمط مجاملة راقٍ وحذر، ويصب في النهاية في مسـار خلق أجواء من اللطف والراحة أثناء التفاوض. المبالغة في اللطف قد تحوّل مسار التفاوض تماما من مساره السلس والجيد إلى مسار عدائي، خصوصا إذا شعر الطرف الآخر أن هذا اللطف هدفه التملّق أو مجرّد واجهة مزيّفة لانتزاع الأهداف بهذا الأسلوب، وهو ما يحوّل الصورة تماما إلى “عدم المصداقية”، ويترتّب عليها زيادة العراقيل في التفاوض بدلا من تسهيلها.

4-لا تذهب إلى التفاوض “وجهـا لوجــه” إلا إذا كنت الأقوى:
أنت أدرى بموقفك. بشكل عام، إذا كنت ذاهبة للتفاوض مع جهـة استثمـارية أو باحثة عن تمويل، أو تتفاوضون من أجل رفع راتبك؛ فأنت قطعـا لست في الموقف الأقوى. الطرف الآخر الذي يقوم بتوظيفك، أو يقرر منحك تمويلا جيدا، أو يقرر رفع مرتّبك، هو الذي يقف في الموقف الأقوى بلا شك لأنه هو الذي يملك الحكم النهائي.
إحدى الدراسات أكّدت أن التفاوض وجها لوجه غالبا ما يتفوّق فيه من يجلس في الطرف الأقوى، وليس صاحب المهارات الأعلى. بمعنى آخر، أن الشخص الأقوى هو الذي يفوز في التفاوض لأن لديه أوراق لعب أكبر، طالما هو الذي يتحكّم في العطاء. لذلك، إذا كنت تتفاوضين مع مدير أو جهـة تمويل أو شركة ما وأنت في الطرف الأضعف، فمن الأفضل أن تُديري تفاوضك مع هذه الأطراف عبر الهاتف أو عبر البريد، بدلا من التفاوض المباشر وجها لوجه. التفاوض عبر الأدوات والآليات غير المباشرة يعطيك الفرصة للتفكيـر بشكل أكبر ومراجعة ردودك وتصوّراتك، بدلا من الانحياز إلى الردود السريعة التي قد تكون غير مدروسة.
تدرّبي على النظرات المباشرة الثابتة
بشكل عام، يستحيل أن تذهبي إلى التفاوض المباشر مع طرف آخر عبر لقاء حر وتنجحين في هذا التفاوض دون أن تكوني صاحبة نظـرة ثابتة ومباشرة لعين مفاوضك. إذا كان لديك مشكلة في الاتصال بالعين (Eye Contact) فمن الضروري أن تتدرّبي لتطوير هذه المهـارة وتصبحي أكثر قدرة على النقاش أثناء النظرات المباشرة.
الاتصال المباشر للعيون يمنح مفاوضَك الإحساس بأن لديك الثقة الكافية في نفسك للدخول في تفاوض ونقاش فعّال، وأن لديك القدرة على التعبير عما يدور في ذهنك من أفكـار بشكل صحيح. بينما الهروب بالنظـرات يمنح محدثك انطباعا مباشرا أنك تخفين بعض الأمور وغير جديرة بالثقة، خصوصا إذا كان التفاوض في موضوع جوهري مثل ضخ أموال أو رفع الراتب.
تقول إحدى الدراسات الصادرة من المعاهد الوطنية للصحة أن واحدة من أكثر الطرق الفعّـالة لكسب ثقة الآخرين وجعلهم أكثر أمانة وأريحية وصدقا في الحديث هي إدارة النقاش معهم بنظـرات ثابتة.
5- لا تُخفي اهتماماتك..أظهرتها بشكل واضح
واحد من أكثر الأخطاء شيوعا على مائدة التفاوض. عندما يصـلك عرض معيّن بوظيفة ممتازة، أو يصلك بريد يخبـرك أنه تم قبول طلبك بتمويل شركتك، وأن الخطوة التالية هي التفاوض على المبلغ. الكثيـرون يشعـرون بالسعادة التي تجعلهم لاحقا يتحرّجون في إظهـار متطلبــاتهم خشية الظهور بمظهـر الجشع والطمع، أو خشية الشعـور بالخذلان إن حدث الرفض عند التفاوض، بعد أن قامت الجهـة الأخرى بإعطائك الضوء الأخضر المبدئي.
من المهم جدا أثناء التفاوض أن تضعي كل اهتماماتك على الطاولة بشكل واضح، حتى لو جعلك هذا الوضع تظهـرين بمظهر غير مريح أو جعلك تمرّين ببعض المشاكل. في النهاية، أنت تتفاوضين من أجل مصلحتك أنت أولا، ومن المهم أن تدافعي عن حقوقك مهما بدا ذلك للطرف الآخر أنه جشع أو مبالغة. إذا كنت تطمحين للحصول على 10 آلاف دولار، فمن المهم أن تقاتلي على هذا الرقم ولا تترددي أو تحاولي تخفيضه طواعية منك بسبب الحرج أو عدم الظهور بمظهـر مُحرج.
هذا الوضوح يدفع الجهـة الأخرى إلى الشعـور بمدى مصداقيتك وأنك بالفعل قمت بالتحضير المسبق لما تستهدفونها بالضبط، وحتى وإن كان هذا يثير ضيق بعض المديرين أو الممولين. إستراتيجية الوضوح والصراحة الكاملة على الطاولة شديدة الأهمية مهما كانت شخصيتك.
6-مبدأ “الفوز – الفوز” صحيح.. ولكن..
ربما من أهم القواعد التفاوضية شيوعا هو مبدأ الـ “Win – Win” الذي يعني أن جميع الأطراف رابحون. يدخل بعض المفاوضين إلى طاولة التفاوض وفي ذهنه هذا المبدأ، ومن ثم يبدأ التفاوض على أساسه. وعلى الرغم من أن هذا المبدأ صحيح، وأن كل المفاوضات أصلا قائمة عليـه، بدءا من تفاوضك على أجرك وليس انتهاء بمفاوضات الدول والأنظمة والمؤسسات الكبرى، فإنه يجب أن تتعاملي معه بشكل صحيح.
ليس معنى إدراكك لمفهوم الربح المشترك بينك وبين مفاوضك أن تتنازلي عن العناصر الأساسية التي تتفاوضين من أجلها. أنت دورك في دخول هذا التفاوض أن تخرجي منه منتزعة لأكبر قدر من المزايا، دون النظر إلى الطرف الآخر. الطرف الآخر أصلا مهمته بدوره أن ينتزع أيضا أكبر قدر من المزايا، فاتركي له هذه المهمـة ولا تقدّمي له خدمات مجّانية.
وفقا لدراسة بخصوص هذا الموضوع، أوضحت أن الأشخاص الذين يفاوضون بمبدأ الـ “Win – Win” يشعـرون براحة أكبـر أثناء التفاوض نعم، ولكنهم يحققون نتائج سيئة خصوصا في الجوانب المتعلقة بالمال، مثل مفاوضات الأجـر وغيره. أما الذين يركزون بشكل كامل على انتزاع أرباحهم أثناء التفاوض، فصحيح أنهم يشعـرون ببعض المشاعر السلبية تجاه أنفسـهم لأنهم قد يبدون أنانيين في لحظة من اللحظات، لكنهم في النهاية يستطيعون تحقيق أرباح جيدة في هذه المفاوضات خصوصا من الناحية المالية.
التفاوض منافسة.. وليس مساومة
باختصار، في عملية التفاوض في أي شيء سواء كان في أجر أو شراء أو بيع أو عروض تمويل أو استحواذ، أنت تذهبين إلى مائدة التفاوض راغبا في انتزاع أكبر قدر من المزايا بالنسبة إليك، بينما الطرف الآخر يسعى إلى الهدف نفسه بالنسبة إليه. كلما زادت المزايا التي تنتزعها لنفسك، قلت المزايا التي ينتزعها هو لنفسه، والعكس صحيح.

 

7-رتّبي أولوياتك قبل أن تدخلي ساحة المفاوضات
عندما تجلسين على طاولة التفاوض، يجب أن يكون لديك ترتيب واضح تماما لأولوياتك القصوى بالترتيب. فمثلا، إذا كنت تتفاوضين في عرض عمل معين، يمكنك أن تقوم بترتيب أولوياتك التي ستدافعين عنها بشكل كامل وتحاربي من أجل انتزاعها كاملة إن أمكن. فمثلا تقررين أن الراتب هو الأمر الأكثر أهمية بالنسبة إليك، ثم مكان العمـل ومدى قربه أو ابتعاده من منزلك، ثم أيام العطلات، ثم قيمة الزيادات والمكافآت الشهرية والسنوية، وهكذا.
ترتيب أولوياتك بهذا الشكـل يفيد في تنظيم أفكـارك أثناء التفاوض من ناحيتك، ويفيد أيضا الطرف الآخر في معرفة الأمور الأساسية التي تسعى لها، وبالتالي ستكون عملية التفاوض أكثر سهولة وأقل تضييعا للوقت وأكثر مصداقية أيضا.
أخيرا، يقول المثل الروسي: القلعة التي تتفاوض نصف مهـزومة. خوضك لأي تفاوض من أي نوع هو في النهايـة إشارة بأن كليكما -أنت ومفاوضك- في حاجة ماسّة إلى بعضكما البعض، حتى لو تظـاهر كلاكما بالعكس. فقط أهم ما ينبغي فعله قبل بدء عملية التفاوض مع أي شخص أو جهـة هو التأكد من مصداقية هذه الجهـات وأنك تبذلين الجهد الصحيح في المكان الصحيح.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى