مقالات

تعويم الجنيه السوداني.. المخاطر والمتطلبات

بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين


 

اتخذت الحكومة السودانية قرارا بتحرير سعر صرف الجنيه السوداني، ورغم أن الأمر لم يشكل مفاجأة لمتابعي الشأن الاقتصادي بسبب الظروف الاقتصادية الحالية التي يعاني منها السودان والمواطن ووجود ممثلين لصندوق النقد الدولى في الخرطوم منذ مدة طويلة، وتدنى الناتج المحلى الاجمالي وتباطؤ النمو بشكل ملحوظ بسبب جائحة كورونا وعدم استقرار الظروف السياسية والاعتماد على الاستيراد لسد احتياجات البلاد من السلع، وضعف الصادرات من حيث الكم والنوع والجودة في ظل اعتمادها على اسواق تقليدية مع عدم وجود مرونة لاختراق اسواق اخرى جديدة بسبب تدنى الجودة وعدم اتباع المعايير الدولية. كما أن الدول التي لجأت لمثل هذه السياسة مثل الصين والهند والبرازيل والارجنتين والمكسيك ومصر والمغرب تختلف اقتصاداتها عن السودان اختلافاً كلياً من حيث قدراتها على النمو وتنوع مصادر واسواق صادراتها واتساعها، وتنوع مصادر دخلها؛ لذلك يعتمد نجاح قرار تحرير سعر الصرف على القدرة التنافسية للسودان من حيث الإنتاج والتصدير، في حين أن اقتصاد السودان يعاني من هشاشة اقتصاده وبالتالى سوف تكون هناك صعوبة في انتقاله لمرحلة الصرف المرن، خاصة وان نسبة الفقر أكثر من ثلثي السكان تحت خط الفقر مع وجود مؤشرات لزيادة نسبة الفقر عالميا حيث من المتوقع أن تؤدي جائحة كورونا إلى زيادة معدل الفقر بنسبة 12.2% خلال عام 2021م.

من جانب آخر ما نقل حول تعويم الجنيه كان كلاماً عاماً فلم يتضح شكل التعويم هل هو تعويم حر(خالص) أم هو تعويم موجه؟ وهل هناك قيود وضعتها الحكومة ضمن سياساتها النقدية على مستوى عمليات الحساب الجاري، وعلى مستوى عمليات رؤوس الاموال، حيث يوجد نوعان من عمليات تحرير الصرف يمكن الحديث والسؤال عنهما هما حرية صرف متعلقة بعمليات بيع وشراء العملات لأجراء مدفوعات مرتبطة بالاستيراد؛ وحرية صرف متعلقة برؤوس الاموال من حيث شراء وبيع العملات الاجنبية للقيام بعمليات الاستثمار الاجنبي وانجازها؛ وفي كلا الحالتين هناك عدة مخاطر، فاذا لم تكن هناك سياسة نقدية فعالة سوف تكون هناك نتائج وخيمة على المواطن وتكلفة باهظة جداً سوف يتحملها وحده في ظل رفع الدعم عن عدد من السلع الأساسية؛ حيث يحتاج هذا النظام (تحرير الصرف) الى مقومات لا تتوفر للحكومة حالياً والجهاز الاقتصادي والمالي فيها، فليس للسلطات النقدية فرصة لإدارة السياسة النقدية دون تدخل سياسي وتوجيهات خارجية خارج اطر الجهات المختصة باصدار السياسات النقدية، لذلك لا تتسم سياساتها بالفعالية اللازمة، ايضاً تحتاج سياسة تحرير الصرف الي توفر كفاءة اسواق الصرف فمثلاً سوف تكون هناك مخاطر من ناحية نوايا وكلاء سعر الصرف في السوق سواءً البنوك أو الصرافات الذين تكون لديهم مصلحة في تداول العملات للاستفادة من فروق سعر الصرف، بالاضافة الى تحركات المتعاملون في السوق السوداء الذين يمتلكون السيولة النقدية ولديهم القدرة على تحديد السعر على كل راس ساعة وهذه المرونة لا تتوفر للبنك المركزى ولا البنوك التى ربما يكون لديها سعر واحد خلال اليوم غالبا يدرج صباحا بمؤشرات السوق في اليوم السابق، ايضا هناك اشكال يتمثل في كيفية تحديد سعر الصرف هل هو نتيجة المقارنة بين اكثر من عملة واحدة ام بدلالة عملة واحدة وليس لمجرد حركة السوق.

أما من الناحية الاقتصادية والنقدية في حال تحرير سعر صرف الجنية سوف تحدث هزة عنيفة جداً للجنية في المرحلة الأولى بتوالي انخفاض قيمته بسبب المنافسة بين البنوك وتجار العملة مما يؤدى الى زيادة التضخم وبالتالي زيادة الاسعار، ايضاً سوف يؤدي الى اتجاه المستوردين والمستثمرين بالاسراع نحو الحصول على العملات الصعبة لإجراء تعاملات جديدة أو فقط الحصول على مقابل استثماراتهم تمهيدا لتحويلها للخارج وهذا سوف يشكل ضغطا وشحا على المتوفر من العملات الاجنبية بالتالى سوف تتجه هذه الفئات الى السوق الموازي للحصول على الدولار وبسعر يزيد عن السعر المعلن؛ ونذكر هنا أن البرازيل عندما طبقت هذه السياسة انخفضت عملتها بنحو 88 %، بالإضافة الى أنه لا توجد اسواق حقيقية لأسعار الصرف، ايضاً الاتجاه نحو رفع سعر الدولار الجمركي وسياسة تجفيف السيولة والسيطرة عليها يدل على أنه لن يكون هناك سوق للصرف الاجنبي وان وجد فسوف يعانى من اختلالات كبيرة لا يمكن حلها في المدى القريب.

ونعود فيما يلى لموضوع التضخم لأهميته وتأثيره البالغ على المواطن والاسعار حيث تبين معظم التجارب الخاصة بتحرير سعر الصرف أن معدلات التضخم زادت بصورة كبيرة بسبب وجود علاقة قوية بين سعر الدولار ورفع سعر الدولار الجمركي والتضخم، كما يعاني اقتصادنا من انغلاق لم يجتازه حتى الان بسبب الحصار رغم رفع الحظر الاقتصادي، ويعانى حتى الآن من آثار وتبعات حظر التعاملات المالية مع القطاع المالي الدولي، ايضاً ضعف الناتج المحلى الاجمالي مقابل الواردات من السلع والخدمات، ويعانى الاقتصاد من ركود واضح بسبب معدل النمو الفعلي المنخفض جداً مقارنة بالمتوقع، كما لن يتوقع أن يتحول المواطن نحو السلع المنتجة محليا التي تعتبر هى ايضا ذات اسعار عالية.

من ناحية اخرى ربما يؤدى تحرير سعر الصرف الى دورة انكماشية بسبب وجود شركات ذات مديونية بالدولار يجعلها التحرير غير قادرة على سداد التزاماتها وبالتالي خروجها من السوق والتأثير على مجمل الانتاج، والنتيجة انخفاض النمو؛ بما في ذلك البنوك، كما ان انخفاض مرونة الصادرات التي ترتبط بالإنتاج المحلي ومرونته هل سوف تؤدي الى اتجاه نحو زيادة نسب الانتاج تتوافق مع انخفاض سعر صرف الجنيه، ايضاً درجة مرونة الطلب الداخلي على السلع المستوردة هل سوف يزيد بنسب انخفاض سعر صرف الجنيه. أخيرا هناك اختلاف كبير بين وضع السودان الاقتصادي والدول التى طبقت سياسة تحرير سعر الصرف ولم تنجح منها سوى الصين والهند؛ فهذه الدول تتمتع بانتاج محلى كبير مقارنة بالسودان وصادرات ضخمة بالإضافة الى بنية تحتية، وتتمتع بمنتجات منخفضة القيمة بالاضافة الى ايدى عاملة ماهرة ذات اجور منخفضة مما جعل كثير من الشركات الكبرى تستثمر أو تنقل استثماراتها الى الصين والهند؛ وهذه العوامل ساعدت على انتعاش التصدير والانتاج وتكوين احتياطيات ضخمة. هذه العوامل والشروط لا تتوفر للسودان لا من ناحية الانتاج المحلي القادر على المنافسة خارجياً ولا من ناحية القوى البشرية وانخفاض التكلفة التى تساعد في جذب الاستثمارات الأجنبية خاصة ونحن نعانى الآن من عدم الاستقرار السياسي.

إن قرار تعويم الجنيه لن يحقق المراد في المدى القصير دون الاضرار بالمواطن، وان افضل السياسات الخاصة بالتحكم في الدول الفقيرة والناشئة هو تبني وسائل استهداف التضخم واتباع سياسة لتصحيح اختلالات سعر الصرف بايجاد مستوى توازنى للجنيه السوداني.

 

[email protected]

بقلم: د. عمر محجوب محمد الحسين

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: