العالم الاسلامي

بنوك لبنان في مرمى العقوبات الأمريكية


أثار قرار وضع الخزانة الأمريكية المصرف اللبناني “جمال ترست بنك” على لائحة العقوبات الأمريكية “أوفاك”، بتهمة تقديم خدمات مصرفية لحزب الله، مخاوف في لبنان من أن تتوسع الدائرة لتطال مصارف أخرى، في ظل الوضع الاقتصادي الهش الذي تعاني منه البلاد.

ويأتي القرار، الذي شكّل رسالة صارمة وواضحة للحكومة اللبنانية وحزب الله، ضمن مسار سياسة الضغوط الأمريكية المالية والعسكرية على إيران وحزب الله في لبنان، وبعد سلسلة من العقوبات التي طالت شخصيات من الحزب بينهم نواب في البرلمان اللبناني.

و”جمال ترست بنك” ليس المصرف الأول في لبنان الذي تفرض عليه عقوبات، إذ كان القرار نفسه اتخذ بحق البنك اللبناني الكندي عام 2011، بسبب تبييض الأموال لصالح حزب الله، ما أدى إلى إغلاقه، خاصة أن قرارا كهذا يعني منع المصرف من إجراء المعاملات بالدولار الأمريكي وبالتالي اقتصار المعاملات على الليرة اللبنانية.

الخزانة الأمريكية: المصرف يشكل تهديدا لنزاهة النظام المالي اللبناني

وفي بيان لها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية الخميس الماضي أنها فرضت عقوبات على “جمال ترست بنك”، الذي تتهمه بتقديم خدمات مصرفية لحزب الله.

وتصنف واشنطن المصرف -الذي يعمل في لبنان منذ عقود عدة- بأنه منظمة “إرهابية” بسبب تقديمه خدمات مالية إلى المجلس التنفيذي لحزب الله، ومؤسسة “الشهداء” ومقرها في إيران.

والبنك متهم بالسماح لحزب الله باستخدام حسابات لدفع الأموال لممثليه وعائلاتهم و”إخفاء علاقاته المصرفية الناشطة مع العديد من المنظمات التابعة لمؤسسة الشهداء”.

والمنظمة المذكورة، أدرجت على قائمة العقوبات الأمريكية منذ عام 2007، كيان شبه عام إيراني ينقل الدعم المالي إلى حزب الله بشكل خاص.

كما تم إدراج 4 شركات تأمين تابعة للبنك على القائمة السوداء.

وقال وكيل وزارة الخزانة المسؤول عن مكافحة تمويل الإرهاب سيجال ماندلكر “إن المؤسسات المالية الفاسدة مثل جمال ترست تشكل تهديدا مباشرا لنزاهة النظام المالي اللبناني”.

ومن شأن هذه العقوبات تجميد أصول البنك في الولايات المتحدة، وحظر التعاملات من خلال النظام المالي الأمريكي.

وأكد البيان أن وزارة الخزانة تحث الحكومة اللبنانية على تخفيف تأثير هذه العقوبات على “الأبرياء من أصحاب الحسابات المصرفية الذين لا يعرفون أن حزب الله يعرض ادخاراتهم للخطر”.

وعلّق وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على القرار، معتبراً أن تصنيف مصرف “جمال تراست بنك” يعكس عزم الولايات المتحدة على محاربة نشاطات “حزب الله” غير الشرعية والإرهابية في لبنان.

وتابع: سنستمر في استهداف أشخاص ومؤسسات ضالعة في تمويل وتقديم الدعم للحزب.

أما نائب وزير الخزانة الأمريكية مارشال بيلينجسلي فقال حول هذا الموضوع: “يهدّد حزب الله الاستقرار والأمن في لبنان والمنطقة منذ عقود، من خلال ممارسة الإرهاب ضد المدنيين الأبرياء، وتعريض لبنان لمخاطر اقتصادية ومالية كبيرة دون أي داعٍ، وتقويض سيادة لبنان ومؤسساته الديمقراطية”.

وأضاف يجب ألا يسمح لحزب الله بالاستمرار في حرمان الشعب اللبناني من مستقبل ديمقراطي وخالٍ من الفساد والتدخلات الأجنبية، ولذلك قامت وزارة الخزانة الأمريكية بفرض عقوبات على “جمال تراست بنك”، نظراً إلى تقديمه خدمات مالية لحزب الله.

وأضاف “تشهد كافة أقسام “جمّال تراست بنك” ارتكاب مخالفات، ويقوم النائب في كتلة “حزب الله” أمين شري الذي يمارس السلوك الإجرامي بالنيابة عن الحزب بتنسيق أنشطة الحزب المالية في البنك مع إدارته، بشكل علني”.

وأكمل “خان المصرفيون في “جمّال تراست بنك” ثقة مواطنيهم وزملائهم في المصارف بالعمل مع شري بهذه الطريقة، وانتهكوا بأفعالهم أيضاً قوانين مكافحة غسل الأموال في لبنان”.

المصرف يعلّق عمله والحكومة تطمئن المصارف الأخرى

وفي لبنان حرص المسؤولون على طمأنة اللبنانيين بأن القرار الأخير لن يؤثر على أموال المودعين، كما أنه لن يتخذ أي قرار مماثل حيال أي مصرف لبناني آخر.

في الوقت الذي قال موظفو المصرف إن الإدارة امتنعت عن صرف رواتبهم وإنجاز المعاملات المصرفية للعملاء صباح الجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن القرار، عازية السبب إلى امتثالها أوامر مصرف لبنان، وطالبة من عملائه بالمراجعة يوم الثلاثاء المقبل.

وتعليقاً منه على القرار أكد وزير المال اللبناني علي حسن خليل، عبر حسابه الرسمي بموقع “تويتر”، قدرة القطاع المصرفي على استيعاب تداعيات القرار بحق “جمال ترست بنك”، وعلى ضمان أموال المودعين وأصحاب الحقوق، والمصرف المركزي يقوم باللازم”.

وبعد ساعات على القرار أكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لموقع Arab Economic News، أن البنك المركزي يتابع عن كثب قضية “جمال تراست بنك” بعد إدراجه على لائحة “أوفاك”، موضحا أن البنك “لديه وجود في المصرف، وكل الودائع الشرعية مؤمنة في وقت استحقاقاتها حفاظا على مصالح المتعاملين مع المصرف”.

وهذا الأمر كان محور بحث بين عدد من المسؤولين، حيث أكد رئيس “جمعية المصارف” في لبنان سليم صفير أن “مصالح المودعين في جمال ترست بنك وحقوقهم محفوظة”.

وقال صفير بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الجمعة “قد تلقينا تأكيدا من واشنطن أن لا مصارف أخرى موضوعة على جدول العقوبات”.

وفي بيان لها، أعلنت جمعية مصارف لبنان “عدم صحة الأخبار التي تتناول مصارف لبنانية من شائعات وتسميات، وتؤكد سلامة مكانتها في النظام المصرفي العالمي بما يتماشى مع القوانين والأنظمة المرعيّة الإجراء”.

وقالت في شأن إدراج مصرف “جمال تراست بنك” على لائحة العقوبات الأمريكية “أوفاك”، وإزاء ما يتم تداوله من شائعات وتسميات غير صحيحة تتناول بعض المصارف، تعيد الجمعية التأكيد على عدم صحة مثل هذه الأخبار التي تتناول مصارف لبنانية أخرى، وتؤكد سلامة مكانتها في النظام المصرفي العالمي بما يتماشى مع القوانين والأنظمة المرعية الإجراء محليا ودوليا، وتدحض الجمعية أي شائعات مغايرة لهذا الواقع”.

القرار الأمريكي رسالة صارمة للبنان وحزب الله

وصفت الخبيرة الاقتصادية فيوليت بلعة القرار الأمريكي تجاه “جمال ترست بنك” بالرسالة الشديدة اللهجة للحكومة اللبنانية وحزب الله، بأن هناك قرارا حاسما بتجفيف منابع تمويل حزب الله وكل من يدعمه لتنفيذ أعمال الحزب المصنف إرهابيا.

واعتبرت في الوقت عينه أن ما حصل هو صدمة لم تصل إلى حد الهزة المالية في لبنان، انطلاقا من حجم المصرف الصغير الذي لا يشكل أكثر من 0.3% من حجم القطاع المصرفي في لبنان.

وفيما رأت بلعة في تصريح لـ”العين الإخبارية” أن ودائع المودعين الشرعية والنظيفة سيحصل عليها أصحابها، وهو ما سيعمل عليه المصرف المركزي، مستبعدة توسع دائرة العقوبات لتطال مصارف لبنانية أخرى.

وتنطلق بلعة من استبعادها فرض عقوبات إضافية على مصارف أخرى، بأن واشنطن تريد إيصال رسالة إلى حزب الله والحكومة لكنها في الوقت عينه تحرص على الاستقرار المالي والنقدي في لبنان، وهي بفرضها العقوبات على هذا المصرف أوصلت الرسالة.

وعن الحل المتوقع لهذا المصرف بعد القرار الأمريكي، رجحت بلعة أن يتخذ حاكم مصرف لبنان قرارا ببيعه إلى مصرف آخر، شرط أن يكون كبيرا وذي حجم قادر على استيعاب و”تذويب” “جمال ترست بنك”.

وأوضحت أن هناك دعوى باسم 400 عائلة أمريكية من ذوي جنود أمريكيين قتلوا أو جرحوا في العراق بين عامي 2004-2011 ضد 11 مصرفا لبنانيا، كان “جمال ترست بنك” بينها، على خلفية اتهامها بأنها سهلت أعمالا لصالح حزب الله.

المصرف يرفض الاتهامات الأمريكية

وفي رد على القرار الأمريكي رفض “جمال ترست بنك” ما وصفها بالادعاءات الأمريكية، التي “يبدو” أن “أوفاك” قد بنت قرارها عليها.

وأكد في بيان له “التزامه الصارم بقواعد وأنظمة مصرف لبنان، وكذلك بالقواعد واللوائح الدولية المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو أمرٌ لا يتساهل المصرف به”.

وشدّد المصرف على أنّه “سيتخذ كل الإجراءات المناسبة لتبيان الحقيقة، كما سيتقدم بطلب استئناف لقرار “أوفاك”، لافتا إلى أنه سيعمل بالتنسيق وإرشاد مصرف لبنان ولجنة التحقيق الخاصة والهيئات الأخرى ذات الصلة في هذا الصدد لحماية مصلحة المودعين.

Facebook Comments
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: