تقارير

انخفاض احتياطيات الدولار.. نهاية عصر الهيمنة

بقلم: د. عمر محجوب الحسين


اظهر تقرير صادر عن صندوق النقد الدولي في نهاية الربع الثاني من العام الجاري قبل أيام انخفاضاً كبيراً في حصة العملة الأمريكية من الاحتياطيات العالمية، حيث بلغت 61.3% في الربع الثاني من العام، مُنخفضة بذلك عن الأشهر الثلاثة الأولى حيث كانت حوالى 61.8% في الربع الأول؛ وأظهرت بيانات الصندوق أيضا ارتفاع الاحتياطيات العالمية إلى مستوى غير مسبوق حيث بلغت 12.031 تريليون دولار في الربع الثاني، مُقارنة مع 11.703 تريليون في الربع الأول، وبلغ إجمالي الاحتياطيات بالدولار الأمريكي 6.9 تريليون دولار، مُقارنة مع 6.77 تريليون اظهرتها بيانات الربع الاخير من عام 2019م.
ونشير هنا الى ان الدولارالامريكي يتعرض منذ مطلع العام 2002 لانخفاضات متكررة وحادة وصلت أدنى مستوياتها مقابل العملات الرئيسية للدول الصناعية في يوليو من العام نفسه، وكان هذا الانخفاض في ذلك الوقت هو الأول من نوعه منذ ست سنوات سابقة من سيطرت الدولار الامريكي على أسواق العملات الأجنبية، وفي يوليو 2020م، عانى الدولار الأمريكي من أسوأ أداء شهري له منذ عقد من الزمان، وفي أكتوبر الماضي فقد الدولار الأمريكي تميزه باعتباره عملة المدفوعات العالمية الأكثر استخدامًا في العالم متراجعًا عن اليورو للمرة الأولى منذ أغسطس 2013؛ ويرى الخبير جولمان ساكس أن الدولار مرشح لهبوط أكبر في الفترة المقبلة ربما يصل إلى 20% من قيمته المسجلة في مارس الماضي رغم مؤشرات التعافي في الاقتصادي العالمي. والدولار كما نعلم يمثل عملة الولايات المتحدة الامريكية أكبر اقتصادات العالم؛ وتربط معظم دول العالم عملاتها بالدولار، أو بسلة عملات دول صناعية يمثل الدولار فيها وزناً نسبياً كبيراً؛ وهذا الوضع عزز دور الدولار كعملة محورية مهيمنة في الاقتصاد العالمي له قدرة كبيرة في الحد من الضغوط التضخمية للاقتصادات التى تربط عملاتها به. اذا ما الذى حدث ؟ مع بداية ازمة جائحة كورونا ارتفع الطلب على الدولار الامريكي بسبب المخاوف مما ادى الى ارتفاعه امام سلة العملات الستة الرئيسة، لكن يعتبر هذا السبب هو ايضا احد اسباب انخفاض قيمة الدولار، بالاضافة الى الانخفاض الحاد الذى حدث في اسعار البترول وتراجع الصادرات العالمية بسبب جائحة كورونا، حيث أن أكثر من 50% من صادرات العالم تتم بالدولار بما فيها البترول الذى تسعره دول منظمة أوبك بالدولار الامريكي؛ من جانب آخر نجد أن الحزمة التحفيزية لإدارة الرئيس دونالد ترامب والتي قاربت 3 تريليون دولار بالاضافة الى العجز الحاد المتوقع في الموازنة الفيدرالية وحزمة تسهيلات الإقراض التي قدمها بنك الاحتياطي الفيدرالي؛ وتسارع حالات الإصابة بالفيروس كورونا في الولايات المتحدة جعلها تتصدر بلا منازع قائمة الدول الأكثر تضرراً من الوباء مما ادى الى تراجع الاقتصاد وفي نفس الوقت تهدد الجائحة وحدتها إبطاء والعودة التدريجية للاقتصاد الامريكي، وعلى العكس من ذلك شهدت الصين واوربا تحسن نسبي، ايضا توقع مكتب الموازنة في الكونجرس ارتفاع عجز الموازنة الأمريكية إلى 17.9% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام وهناك تقديرات تراجع معدل الإدخار المحلي واتساع عجز الحساب الجاري، ولا ننسى ان النزعة القومية الاقتصادية للرئيس دونالد ترامب هزت الثقة في مكانة الدولار حتى قبل جائحة كورونا؛ كل هذه الاسباب تشكل ضغطاً في اتجاه هبوط الدولار، أيضا هذه الهبوط خلق عامل آخر ادى للهبوط، ومن ثم أثر على مجمل الاحتياطيات العالمية من الدولار، حيث تشير التقارير الى أن روسيا والصين تعززان من زيادة حصتهما من ارصدة الذهب وبالتالى خفض حصة الدولار في احتياطياتهم، وفي تركيا وصل إجمالي مشتريات المركزى التركي من الذهب الى رقم قياسي خلال اﻷشهر العشر الأولى من عام 2020م إلى نحو 155.4 طن؛ وبصورة عامة شهد عام 2018م أعلى مستوى عمليات شراء الذهب منذ عام 1971م الذى حدث فيه اعلان الرئيس نكسون بصورة منفردة تعليق ارتباط الدولار بمعيار الذهب؛ أيضا أعلن بنك إنجلترا في بيان انه اتفق مع ثلاثة بنوك مركزية هي المركزي الأوروبي وبنك اليابان والمركزي السويسري من أجل تقليص العمليات التبادلية للعملات مع الاحتياطي الفيدرالي إلى ثلاث مرات أسبوعياً بدلاً من العمليات اليومية المنفذة سابقاً بسبب انخفاض الطلب على الدولار وتحسن الظروف بالنسبة للتمويل بالدولار.
​في ظل وضع الدولار المتذبذب أوصت مجموعة (جي بي مورجان تشيس) اكبر بنوك الولايات المتحدة الامريكية وثالث أكبر شركة مساهمة عامة في العالم و المزود الرئيسي للخدمات المالية، المستثمرين ببيع الدولار الأمريكي لصالح عملات مجموعة العشرة التي تتمتع حساباتها الجارية بفائض كبير، مثل الكرونة السويدية أو الين الياباني؛ ويرى خبراء أن ضعف الدولار يعني بالضرورة أنه يفقد نفوذه في العالم ” الدولار الباهظ هو أكبر تهديد لهيمنة الدولار” إنه تضخم في جميع أنحاء العالم، ويزيد من مخاطر الائتمان، ويضر بالميزانيات العمومية ويحد من التدفقات الائتمان، و قال آرون كانتريل مدير البحوث الاقتصادية في (Record Currency Management) “الدولار الرخيص هو صديق الجميع”. من جانب آخر يعتقد العديد من الاقتصاديين أن المخاوف بشأن زوال الدولار مبالغ فيه، وهم يجادلون بأن عددًا من العوامل قصيرة الأجل قد ساهمت في تراجعه، بما في ذلك التيسير النقدي القوي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والذي هدف إلى تعزيز السيولة خلال فترة الوباء.

فهل نشهد أداءً أكثر سوءاً للدولار في المدى القريب، وهل نحن حقا مقبلين على نهاية هيمنة الدولار وبداية نظام عالمي جديد، ونذكر هنا الرؤية المستقبلية لستيفن روش عضو جامعة يل الأمريكية والرئيس السابق لوحدة آسيا في بنك مورجان ستانلي حيث قال “عصر الامتياز الباهظ للدولار كعملة احتياط عالمية يقترب من النهاية”، حيث قدر روش هبوطا للدولار قد يصل الى 35% لعملة لا زالت تعتبر حصتها الاكبر دوليا وتشكل 61.5% من الاحتياطيات العالمية، بينما يشكل اليورو 20.5% واليوان الصيني 1.9% من إجمالي الاحتياطات الدولية؛ لكن سوف يكون المعدن النفيس كلمة السر والقاسم الاعظم في معادلة الاحتياطيات العالمية ؟.

[email protected]

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: