دولي

المافيا الإيطالية وصندوق التعافي الأوروبي.. الصيد الثمين


تساءل البعض عن سبب سخاء المافيا الإيطالية في تبرعات كورونا خلال 2020، ولكن مع اقتراب صرف أموال صندوق التعافي اتضح الأمر.

سعت “المافيا” الإيطالية خلال عام الجائحة الماضي، إلى تقديم التبرعات السخية لرواد الأعمال المتضررين من تداعيات الفيروس على اقتصاد روما، الأمر الذي أثار حفيظة وتساؤلات الكثير من المسؤولين والمؤسسات الحقوقية، حول الأسباب الخفية لهذا الموقف من قبل عصابات المافيا.

رجح البعض أن المافيا تسعى للسيطرة على اقتصاد روما المنهار، ليس من خلال المال والتبرعات ولكن من خلال السيطرة على أعمال الشخص المتعثر واستغلالها في غسل الأموال غير المشروعة.

ويقول غاسبار موتولو، عضو سابق في المافيا الصقلية، قبل أن ينقلب عليها ويصبح شاهداً ضدها في عشرات من الدعاوى الجنائية، إن لدى المافيا أموالاً جاهزة للإنفاق في أوقات الأزمات، ويضيف: المافيا أكثر كفاءة بكثير من الدولة الإيطالية عندما يتعلق الأمر بمساعدة المحتاجين.

ويضيف أن المافيا تقرضك مالاً و”تبدأ بعد ذلك معاناة بطيئة”.

ويكمل: جني المال ليس هدف المافيا النهائي، الهدف النهائي هو الاستيلاء على أعمالك واستخدامها في غسل الأموال.

وفي مشهد آخر يقول موتولو: عندما يقترب موعد الانتخابات المحلية، كان موتولو يزور الناس الذين سبق له أن ساعدهم، ويقول: “مرحباً يا عزيزي، أتتذكرني؟ أنا الذي ساعدتك عندما كنت بحاجة إليّ… والآن أنا بحاجة لمساعدتك… كل ما أطلبه منك هو التصويت لهذا المرشح”.

السيناريو الأخطر

مع حجم أرباح يتخطى نحو 53 مليار يورو سنويا، بحسب تقديرات أعدتها مؤسسة أبحاث Demoskopia، فإن أعمال المافيا الإيطالية قد تتأثر بشدة مع تراجع النشاط الاقتصادي للبلاد على خلفية جائحة كورونا، بحسب تقرير صادر عن Risk Screen وهي مؤسسة قانونية خاصة بتتبع الأنشطة المالية غير القانونية تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها.

وفي العام الماضي، عندما حدثت عمليات الإغلاق في مختلف البلدان، بدأت المافيا التسلل إلى الشركات المتعطشة للسيولة، في محاولة لسرقة الأموال من صندوق التعافي التابع للاتحاد الأوروبي، ومن الـ1.8 تريليون يورو (2.2 تريليون دولار)، التي ستبدأ جزئياً في التدفُّق إلى الشركات المتعثِّرة في وقت لاحق من هذا العام، وفقاً لـ”ماوريتسيو فالوني”، كبير محققي إيطاليا فيما يتعلَّق بالجريمة المنظَّمة، بحسب بلومبرج.

 

سعت الجماعات الإجرامية، بما في ذلك “ندرانجيتا” (N’drangheta) في منطقة كالابريا الجنوبية، و”مافيا صقلية (Cosa Nostra)”، إلى اكتساب موطئ قدم في الأعمال التجارية المشروعة التي ستكون أوَّل من يحصل على مساعدة الاتحاد الأوروبي، مثل تلك الموجودة في القطاعات البيئية والرقمية، بحسب ما أشار “فالوني” المحقق في مديرية التحقيق الخاصة بمكافحة المافيا، وهي مديرية تضمُّ محقِّقين من قوى الشرطة الرئيسية.

وقال “فالوني” في مكتبه بروما الثلاثاء الماضي: “كانت المافيا تختار الشركات التي تتحلى بأفضل المواقع التي ستؤهلها لتكون جزءاً من عطاءات صناديق التعافي، خاصة في قطاعي الصحة والبنية التحتية، إذ سيتمُّ إنفاق قدر كبير من الأموال، وستحاول المافيا أخذ كل شيء، وعلينا أن نتأكَّد من أنَّهم لا يحصلون حتى على يورو واحد “.

“كعكة صندوق التعافي”

تعد إيطاليا هدفاً رئيسياً للمجرمين، لأنها تستعد لتكون أكبر متلق لأموال المنح من الاتحاد الأوروبي.

وتعمل الحكومة الجديدة لرئيس الوزراء ماريو دراجي على صياغة خطة إنفاق لحصتها البالغة 209 مليارات يورو من أموال الاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي تكافح للتخلص من أسوأ ركود منذ الحرب العالمية الثانية.

وقال “فالوني”، إن الشركات الإيطالية معرضة للخطر بشكل خاص، لأن خطة القروض المصرفية التي تضمَنها الدولة كانت معقدة للغاية، ومحدودة لكي تكون فعالة.

وأضاف أنه نتيجة لذلك، فإن الشركات التي لديها جدارة ائتمانية متزعزعة استفادت قليلا من مساعدة الدولة.

واغتنمت عصابات المافيا الفرصة، من خلال عمليات الإغلاق التي جرت على الصعيدين الإقليمي والوطني، للوصول إلى الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعد في أمس الحاجة للسيولة في اقتصاد تقلَّص بنسبة 8.9% العام الماضي.

ويشير “فالوني” إلى أن المافيا تسعى عادة إلى الاستحواذ على رأس مال الشركات، أو تمويل الأعمال المتعثرة من خلال الربا، أو استغلالها عبر شريك مخفي، وذكر أن عدد العمليات المالية المشبوهة التي أبلغ عنها بنك إيطاليا ارتفعت بنسبة 7% العام الماضي إلى 113 ألف عملية. وقال أيضاً: “هذا يجعلنا نشكُّ بشدة في أن هناك مصلحة لدى الجريمة المنظمة”.

وقالت متحدثة في المكتب الأوروبي لمكافحة الاحتيال، إن المكتب سيقوم بفحص خطط الإنفاق من قبل الدول الأعضاء للتأكد من أنها تفي بمتطلبات الرقابة ومكافحة الاحتيال، وسيقوم في المستقبل بإجراء تحقيقات خاصة به. وستتعاون المنظمة أيضاً مع السلطات الوطنية والشركاء بما في ذلك اليوروبول.

الرقابة سلاح ذو حدين

ويريد “فالوني” تشديد الرقابة ضد المافيا في الأشغال العامة من خلال مراقبة وتقييم الفائزين في العطاءات العامة.

وقال “فالوني” إن “صندوق التعافي هو الأولوية، لكن هذا الإجراء يجب أن ينطبق على جميع عقود الأشغال العامة”، لأن هناك حاجة إلى قواعد أكثر صرامة أيضا بسبب ضغوط بروكسل، إذ يشير “فالوني” إلى أن: “المفوضية الأوروبية لا تنتظر الفترات الزمنية المقدسة للمناقصات العامة التقليدية، فهي تريد إعطاء المال، ورؤية النتائج في غضون فترة زمنية معقولة”.

ومع ذلك، قد يكون هناك جانب سلبي بسبب إجراء المزيد من عمليات رقابة المافيا. فإيطاليا، التي تعاني من الروتين، فشلت بالفعل في إنفاق الكثير من الأموال الهيكلية التي تتلقاها من الاتحاد الأوروبي، فقد استخدمت البلاد 30.7% فقط من الأموال المخصصة لها في نهاية عام 2019، وفقاً لتقرير الاتحاد الأوروبي، مقارنة بـ66.2% لفنلندا التي تحتل الصدارة في هذا المجال، في حين كان متوسط الاستفادة من هذه الأموال داخل الكتلة الأوروبية هو 39.6%. ويشار إلى أنَّ المزيد من الضوابط قد تؤدي إلى المخاطرة بتأخر أموال التعافي أيضاً.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: