مقالات

العودة إلى الدينار أصبح ضرورة اقتصادية و أمن قومي


سبق أن طالبت بتغيير العملة بقيمة أكبر (طرح صفر) في ندوة أزمة سعر الصرف الإجراءات المتخذة و الحلول الممكنة التي عقدت في جامعة أفريقيا في فبراير 2018 كما ذكرتها قبل ذلك في ورشة عقدت في ذات الموضوع في المجلس الوطني و حتى الآن لم تتجاوب الحكومات المتعاقبة مع هذا الأمر الهام و المفصلي في نجاح السياسات الاقتصادية في مواجهة التضخم متجاهلين تجربة السودان الناجحة سابقا في تغيير العملة.. في عام 1989م وصلت قيمة الدولار في السوق الموازي حوالي

( 12 جنيه ) .. في عام  1991م بلغ الدولار ( 132جنيه ) في السوق الموازي وعليه حاولت الحكومة امتصاص السيولة خارج النظام المصرفي فطرحت عملة جديدة هي (الدينار ) بقيمة (10 جنيها )..في عام 2006 بعد إتفاقية نيفاشا للسلام وفي إطار تنفيذ بروتوكول قسمة الثروة مع الجنوب نص البروتوكول على تغيير العملة وفق موجهات تراعي الوحدة والتنوع الثقافي وتتجنب الرموز الدينية والعرقية وعليه قامت الحكومة بإصدار الجنيه من جديد وجعلت قيمته تساوي ( 100 دينار ) و وصل وقتها الدولار في السوق الموازي إلى ( 2 جنيه) أي ( 2000 جنيه بالقديم) .. وقد استقر الوضع حتى 2009م وبعدها بدأ الجنيه بالإنخفاض في قيمته أمام الدولار إلى( 6 جنيهات بعد الإنفصال ) ثم ( 20 جنيه في 2017م) وتابع هبوطه في 2018م إلى

(42 جنيه ) و برغم الخطوات التي اتخذتها الحكومة السابقة وقتها  الا انه لم يشهد استقرار حتى تجاوز في ابريل 2020 حد ال 150 جنيه دون تجاوب كاف مع الازمة من الحكومة الانتقالية .. معالجة الأزمة المالية تستوجب طرح عملة جديدة لسحب الكتلة النقدية مجددا إلى داخل المصارف لتجفيف التعاملات المالية في السوق الموازي لذلك اقترحت الدينار .. حكومة معتز موسى السابقة رأت أن طرح فئات جديدة (500و 200 و 100) أوفر لها و يحقق نفس الغرض … المشكلة التي واجهتها تمثلت في الفشل في إقناع الجمهور باستبدال الفئات الصغيرة بفئات كبيرة طالما لم يتم إلغائها.. أما المحافظ السابق حازم رحمه الله  فقد رأى الاكتفاء بتغيير لون العملة فئة الخمسين فقط و هو قرار لم يحقق اي فائدة  سوى هدر المال في الطباعة لذلك توقف المشروع..  طالما نجح الدينار في السابق في حل نفس أزمة السيولة التي نعانيها اليوم لماذا لا يتم العودة إليه ما الذي يمنع ؟؟ .. الإجابة نعم و لكن الخطوة نفسها تحتاج إلى خطوة استباقية كطرح منتجات مصرفية استثمارية لتعزيز السيولة المصرفية و الحيلولة دون إعادة سحبها فضلا عن تعزيز الدفع الإلكتروني عبر ربطه بإعادة هيكلة الدعم إلى جانب حزمة من القرارات في مقدمتها التصدي بحزم لتجار العملة الكبار و محاكمتهم و تفكيك شبكات تزوير العملة …  تغيير العملة بمثابة العمود الفقري لنجاح سياسات الإصلاح الاقتصادي و يفيد ايضا في التصدي لغسيل الاموال و معرفة التركزات النقدية و محاربة الفساد و تخفض حجم السيولة المتداولة في السوق الموازي مما يخفض الطلب على الدولار ، و التي يجب كما ذكرت أن يسبقها طرح منتجات مصرفية استثمارية (مثال الجنيه الذهبي الادخاري المحصور التداول داخل المصارف ) لحفظ رؤوس الاموال من التآكل و بالتالي تجنب ارتداد الأموال خارج الجهاز المصرفي عقب تبديل العملة ، الى جانب تقديم حوافز للمغتربين لاستقطاب مدخراتهم عبر التحويل بالموبايل من الخارج للداخل فقط (سقف يومي 2000 دولار) لحين رفع الحظر المصرفي الامريكي على السودان و الحد من التحويل الداخلي خارج الجهاز المصرفي بحيث لا يزيد عن 10 الف جنيه في الشهر تراكميا و 500 جنيه في اليوم  .. الحوافز يجب أن تشمل اعفاءات جمركية و تخفيض ضريبي و تمويل عقاري يسدد بالدولار بنسبة أرباح بين 5 إلى 6% سنويا .

و فيما يلي توصيات ندوة أزمة سعر الصرف ( الإجراءات المتخذة و الحلول الممكنة ) التي عقدت بجامعة أفريقيا العالمية  بتاريخ 14/2/2018 في قاعة البروفيسور الطيب زين العابدين  بمشاركة فاعلة من عدد مقدر من الخبراء و الباحثين :-

1- التركيز على دعم قطاع السياحة عبر جذب المستثمرين الكبار مثل (إدارة تركيا لميناء سواكن)  فهناك مناطق أخرى يمكن أن تدار من شركات أجنبية تستثمر في البنية التحتية مقابل هامش بنظام المشاركة المتناقصة لفترة زمنية محددة مثل (أهرام البجراوية ، كرمة ، البركل ، النقعة، الدندر.. الخ) .

*2- التوسع في نشر أجهزة الدفع (الصرافات ، نقاط البيع ) و إلزام المؤسسات الحكومية على دفع المرتبات للعاملين عبر المصارف وسداد الرسوم المختلفة ( مثل الكهرباء و المياه  و الجمارك و الترخيص و التعليم .. إلخ ) بواسطة البطاقة المصرفية مع إلغاء رسوم خدمات السحب الخاصة بشركة (EBS) لتشجيع استخدام البطاقة في السداد بهدف تخفيض استخدام الأوراق النقدية.*

*3- إصدار عملة جديدة ( جنيه / دينار) بقيمة أكبر ( 10 جنيهات ) لامتصاص السيولة خارج الجهاز المصرفي بمواصفات تحد من تزويرها .*

4- تخفيض ضريبة أرباح الأعمال على المصانع لتخفيض حدة المنافسة الناجمة عن سياسة الإغراق التي تعانيها بعض الصناعات جراء الإعفاءات والمعاملة التفضيلية الممنوحة لبعض الدول و التي تؤدي إلى لجوء بعض المصانع  لبيع إنتاجها في دول الجوار  في ظل الحوجة المحلية لمنتجاتها.

5- تأسيس شركات مساهمة عامة للعمل في قطاع الصناعة الإستخراجية ( الذهب والمعادن والبترول) للحد من خروج المستثمرين المحليين للخارج.

6- الاهتمام بتجارة الترانزيت والنهوض بالطرق الرابطة مع دول الجوار التي تفتقد للموانئ البحرية و توصيل خطوط السكة حديد لهذه الدول و تطوير و توسيع المطارات لاستقبال الرحلات العابرة  بهدف زيادة الموارد من النقد الأجنبي.

*7- إصدار الجنيه الذهبي الإدخاري بهدف تخفيض الطلب على الدولار في السوق الموازي وزيادة الكتلة النقدية في المصارف وحفظ الأموال والارباح من التآكل .*

8- سودنة إدارة  المصارف الأجنبية العاملة في السودان من أجل تحقيق انسجام أكبر مع السياسة النقدية وأولويات التنمية .

9- إنشاء مجلس استشاري مستقل ماليا وإداريا عن وزارات القطاع الاقتصادي ينظر في القضايا المعروضة عليه بطلب من مجلس الوزراء عوضا عن المجالس المتعددة في الوزارات والولايات.

*10- جذب تحويلات المغتربين عبر خدمة تحويل الرصيد من الخارج إلى الداخل ( و ليس العكس ) و ربطها بخدمة تحويل الرصيد إلى المصارف ( بإتجاه واحد فقط ) لضمان تجفيف السوق الموازي و وضع حد لتجار العملة بالتنسيق بين شركات الإتصالات في الداخل و شركات الإتصالات في دول المهجر تحت إشراف بنك السودان على الخدمة ، إستنادا على نظام التعويم المدار ( السعر التأشيري ) الذي قلل الفارق بين السعر الرسمي و الموازي ، خاصة أن هذا الفارق البسيط قابل للتعويض بخدمات مميزة مقابل التحويل من الخارج.*

11- دعم التعاونيات للحد من إرتفاع الأسعار الذي صاحب السياسات الإصلاحية الأخيرة لحين بلوغ غاياتها .

12- تنشيط الشراكة في مجال الصادر بين اصحاب الودائع الكبيرة و إدارة المصارف و المنتجين من أجل تشجيع الصادرات.

*د. لؤي عبد المنعم محمد*

*خبير مصرفي*

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: