مقالات

العالم يتجه نحو هاوية الركود


رغم أن المستثمرين الذين يعتمدون على تداول العملات يظهرون سيناريو متفائلا، حيث يتوقعون ركودأ حاداً  لكنه قصير الأجل، مما يفسح المجال لانتعاش قوي لبقية هذا العام؛ وهذا ما قاله خبراء الاقتصاد في “مورجان ستانلي” ايضاً بأنه ركود اقتصادي حاد لكنه قصير المدى؛ حيث توقعوا انكماش الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 8.6 % خلال الربع الثاني على أن ينمو 3 % في الربع الأول من 2021م، واستشهد هؤلاء الاقتصاديون بتوقعات امكانية توفر اللقاح على نطاق واسع بحلول صيف عام 2021م، بالاضافة الى الدعم الذى التزمت به الحكومات للاقتصاد، الحكومة الفرنسية اعلنت عن مساعدات بحوالى 50 مليار دولار لدعم الشركات والموظفين، والمانيا أعلنت عن حزمة من القروض للشركات للحفاظ على اعمالها من خلال خطة لتأمين المساعدات الاقتصادية والاجتماعية والصحية بحوالى 614 مليار دولار، من جانب آخر ذكرت  “واشنطن بوست” أن إدارة ترامب ستطلب نحو 850 مليار دولار لحماية الاقتصاد الامريكي من تبعات فيروس (COVID-19) الاقتصادية. لكن بمنطق الاشياء نقول أن الاقتصاد العالمي في حالة جمود قد يكون مؤقتاً لكنه شامل، لربما يعود الاقتصاد لحاله بمجرد احتواء الفيروس، لكن من الذى لديه علم بتاريخ انتهاء الجائحة واحتواء الفيروس ؟ باختصار لا احد.

من جانب آخر من شبه المؤكد أن العالم وقع فعلياً في هاوية ركود مدمر أحدثته جائحة فيروس (COVID-19)، في وجود مخاوف متزايدة من أن الانكماش يمكن أن يكون أكثر حدة ويدوم طويلًا عكس ما كان يُخشى في بداية الامر؛ حيث أنه من المحتمل أن يستمر في العام المقبل، وربما العام الذى يليه، بسبب توقف الأعمال التجارية كلياً نتيجة للقيود الحكومية المشددة التى عمت معظم دول العالم لوقف انتشار الوباء، وتقييد حركة المستهلك الذى المؤثر الاكبر في النمو الاقتصادي؛ وأغلب الاقتصادات القوية يكون تأثير المستهلك فيها هو الأكبر في حركة نموها الاقتصادي وبالتالي الناتج الاجمالي، ويبلغ الإنفاق الاستهلاكي ما يقرب من ثلثي النشاط الاقتصادي في جميع أنحاء العالم. ايضاً نتيجة لهذا الاغلاق لن تعود الأعمال التجارية الى سابق عهدها، وما كان يسير بشكل طبيعي من قبل قد لا يكون حاله كذلك بعد الآن؛ قد يكون الناس أقل ميلاً للتواجد في المطاعم المزدحمة والمجمعات التجارية، والميل نحو السفر، حتى أن المستهلك سوف يعيد ترتيبات اولويات انفاقه خاصة الذين تضرروا بصورة مباشرة بالأزمة ،حتى بعد احتواء الفيروس والغاء القيود الحكومية ورفع الاغلاق التام. وهذه المؤشرات مجتمعة سوف تحدث هزة اقتصادية عميقة ومستمرة في كل منطقة من مناطق العالم في وقت واحد، لذلك سوف يستغرق تعافي الاقتصاد وحركة الناس سنوات، من جانب آخر نجد أن الخسائر التي لحقت بالشركات خلال الفترة لم تكن الازمة وحدها هي عامل ضررها، فالعديد من هذه الشركات كان يعانى من مشاكل، وبعضها كان مثقلاً بالديون وربما متعثراً في سدادها وهذا سوف يجعل من الأزمة أزمة مالية ذات أبعاد كارثية على الاقتصاد العالمي.

عكست أسواق الأسهم الإنذار الاقتصادي الاشد خطورة حيث انخفض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 للمؤشرات المالية في الولايات المتحدة بأكثر من 4 % في ابريل الماضي، صحيح أنه ارتفع يوم الثلاثاء الماضي بنحو 2 % في التعاملات المبكرة، لكن انخفض مؤشر CBOE لتقلب الأسعار (VIX) بأكثر من 4 %. لذلك يستعد المستثمرون لظروف أسوأ في المستقبل  نتيجة لحركة الاسواق المالية المضطربة التى كان ابراز عنوان لها انخفاض مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 12.5 %  في أسوأ انخفاض له منذ أكتوبر 2008م؛ وانخاض اسعار البترول لمستويات قياسية في ظل أزمة جائحة فيروس (COVID-19)، والتى كانت بمثابة صب الزيت في النار، بالاضافة الى الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الامريكية.

يقول (Kenneth S. Rogoff) الاقتصادي في جامعة هارفارد والمؤلف المشارك لكتاب تاريخ الأزمات المالية “أشعر أن الأزمة المالية لعام 2008م كانت مجرد بروفة للذى يحدث حالياً” ، لكن “هذه المرة الامر مختلف حيث سبقته ثمانية قرون من الحماقات المالية”. ويضيف “إن هذا بالفعل بدأ يتشكل باعتبارها ازمة هى الأعمق في الاقتصاد العالمي لأكثر من 100 عام”.، وقال “كل شيء يعتمد على مدة استمراره، ولكن إذا استمر هذا لفترة طويلة، فمن المؤكد أنها ستكون أم جميع الأزمات المالية”.

من جانب آخر قال (Charles Dumas)، كبير الاقتصاديين في شركة أبحاث الاستثمار في لندن (TS Lombar)، “لقد أصيب الناس بصدمة حقيقية، سيكون التعافي منها بطيئًا، وستتغير أنماط سلوكية معينة، إن لم يكن إلى الأبد لكن على الأقل لفترة طويلة من الزمن “.

من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم في حالة ركود، وكذلك أوروبا؛ لذا ربما تكون هناك اقتصادات مهمة مثل كندا واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة والبرازيل والأرجنتين والمكسيك. من المتوقع أن تنمو الصين ، ثاني أكبر اقتصاد في العالم ، بنسبة 2 % فقط هذا العام وفقًا لشركة الأبحاث (TS Lombar).

أما في أغلب البلدان النامية فيبدو أن الوضع اكثر سوءً، خاصة تلك البلدان التي شهدت هروباً استثماريًا للخارج في هذا العام ، مما أدى إلى انخفاض قيمة عملات تلك البلدان، اضطر الناس الي دفع المزيد مقابل المواد الغذائية والوقود والسلع المستوردة، وهدد الاعسار الحكومات؛ وياتى ذلك كله ف كل هذا بينما يهدد الوباء نفسه تغلب على النظم الطبية غير الكافية.

وبالنظر الى عيوب النمط الاقتصادي الحالي القاتلة في خضم أزمة كورونا فهى لا تظهر في ضعف وسائل الحماية الطبية فقط، لكن ايضا في نقص الغذاء؛ لذلك حذرت لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغرب آسيا (ESCWA) من أن تداعيات كورونا قد تلقي بأكثر من 8 ملايين شخص إضافي من سكان المنطقة العربية في براثن الفقر والجوع بسبب تقليص تجارة الأغذية وقلة المخزون منها. وتذهب التقديرات إلى أن أكثر من 100 مليون في المنطقة العربية يعانون من الفقر حاليا.

وذكرت مجلة “فورين بوليسي” الأميركية أن البروفبسور (Laura D’Andrea Tyson)، الأستاذة بكلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، ترجح أنّ “العديد من الوظائف التى سوف تفقد لن تعود مطلقاً”، وتقصد الوظائف التى لا تتطلب مهارات عالية أو تخصص، وفي الولايات المتحدة يقدم ملايين الأشخاص الآن طلبات للحصول على إعانات البطالة. ويقول السيد (Dumas) “إن خسائر الدخل في جهات العمل كبيرة جدا”، واضاف “أن خسارة قيمة الثروة هي أيضا عالية جدا”. ويقول (Hicks) في كتابه الدخل؛ أن الدخل هو ” أقصى ما يمكن للفرد أن ينفقه خلال فترة من الزمن اذا كانت هناك توقعات مرتقبه بالحفاظ على رأس المال سليما “، بمعنى آخر أن الدخل هو ذلك القدر الذي يمكن للفرد أن ينفقه كحد أقصى خلال فترة معينة وبحيث ينتهي في آخر الفترة بنفس القدر من رأس المال الذي كان عليه في أول الفترة. والتغير في رأس المال عند (Hicks) يرجع الى التغير في حجم الاستثمارات سواء بالزيادة أو النقص خلال فترة مالية، للتغير في سعر الفائدة، والتغير في التوقعات بشأن الفترات المستقبلية، وهذه الازمة ضربت التدفقات النقدية والانفاق، وجعلت التوقعات المستقبلية مضطربة بسبب الغموض الذى يكتنف فيروس (COVID-19).

من شبه المؤكد أن الولايات المتحدة، أكبر اقتصاد في العالم، في حالة ركود وكذلك أوروبا، اما الصين  ثانى اكبر اقتصاد في العالم من المتوقع أن ينمو اقتصادها بنسبة 2 % فقط هذا العام، وفقًا لشركة الأبحاث (TS Lombar).

تقدر أوكسفورد إيكونوميكس أن الاقتصاد العالمي سوف ينكمش بشكل هامشي هذا العام، قبل أن يتحسن بحلول يونيو، ولكن هناك مؤشرات قوية ربما تؤدى الى تغير هذا الرأي مستقبلاً، وقال صندوق النقد الدولي إن الضرر الذي تلحقه جائحة فيروس كورونا بالنشاط الاقتصادي أوسع وأعمق من التوقعات السابقة، لذلك قلص الصندوق توقعاته وبدت متشائمة للناتج العالمي لعام 2020م، حيث توقع انكماش الناتج العالمي بنسبة 4.9 %، مقارنة  بتوقعات ابريل التى كانت بنحو 3 %. فهل نشهد فعلاً ركوداً عالمياً غير مسبوق ؟

 

 

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: