تقارير

الشمس والرياح والتكنولوجيا.. الطاقة النظيفة تغير النفوذ العالمي


في غضون 15 عاما، سيتغير مشهد الطاقة العالمي تماما، فأي دولة لا تأخذ الطاقة الخضراء على محمل الجد التام، ستتخلف في النهاية عن الركب.

ووفقا لما قاله أندرو “تويجي” فوريست، رئيس مجلس إدارة مجموعة فورتيسكيو للمعادن في سلسلة محاضرات تلفزيونية، “لا يمكننا الاستمرار في القيام بالأشياء بالطريقة التي اعتدنا عليها دائما، وإلا فسيصبح كوكبنا محمصا”.

وقال إن سوق الطاقة المعتمدة على الهيدروجين الأخضر قد تصل قيمتها إلى 12 تريليون دولار بحلول عام 2050.

وتبنت عشرات من أكبر الاقتصادات في العالم أهدافا لانبعاثات صفرية بحلول عام 2050، وانضمت 189 دولة إلى اتفاقية باريس للمناخ عام 2015، التي تهدف للحد من ارتفاع درجة حرارة الكوكب لأقل من درجتين مئويتين.

وفي سباق للحد من تغير المناخ، تسارع البلدان إلى خفض الوقود الأحفوري، وتعزيز الطاقة النظيفة – وتحويل اقتصاداتها في هذه العملية.

لكن مع تغير نظام الطاقة، ستتغير سياسات الطاقة أيضا، خلال معظم القرن الماضي، كانت القوة الجيوسياسية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالوقود الأحفوري.

لكن في عالم الطاقة النظيفة، ستظهر مجموعة جديدة من الرابحين والخاسرين، يرى بعضهم الأمر على أنه “سباق فضائي” للطاقة النظيفة، البلدان أو المناطق التي تتقن التكنولوجيا النظيفة، أو تصدر الطاقة الخضراء أو تستورد كميات أقل من الوقود الأحفوري، ستستفيد من النظام الجديد.

نوع جديد من السياسة

يقول أولافور راجنار جريمسون، الرئيس السابق لأيسلندا ورئيس “اللجنة العالمية للجغرافيا السياسية لتحويل الطاقة”، إن التحول إلى الطاقة النظيفة سيولد نوعا جديدا من السياسة.

ويضيف أن التحول يحدث “بشكل أسرع وأكثر شمولا مما توقعه أي شخص، في الوقت الذي يخرج فيه الوقود الأحفوري تدريجيا من نظام الطاقة فإن النموذج الجيوسياسي القديم لمراكز القوة التي تهيمن على العلاقات بين الدول سيصبح بائدا”.

فيما يقول ثيجس فان دي جراف، الأستاذ المساعد في جامعة جنت والمؤلف الرئيسي لتقرير مؤثر عام 2019 من “الوكالة الدولية للطاقة المتجددة” Irena: “كثير من أدوات التحكم (القديمة)، ستتبدد وتتلاشى ببساطة”، ويضيف: “هذه كوكبة جديدة تماما، هناك فئة جديدة من مصدري الطاقة قد تظهر على الساحة العالمية”.

الكهرباء النظيفة

في غضون بضعة أشهر، ستنتهي النرويج والمملكة المتحدة من بناء أطول كابل كهربائي تحت سطح البحر في العالم، هو “وصلة بحر الشمال” The North Sea Link. يمر الجانب النرويجي من الكابل عبر الجبال المغطاة بالثلوج وبحيرة عميقة، ثم تحت الماء لنحو 720 كيلومترا عبر بحر الشمال إلى أن يصل للمملكة المتحدة.

وستكون وصلة بحر الشمال سابع خط ربط تحت البحر في النرويج، ما يسمح للبلاد بتصدير الطاقة الكهرومائية الوفيرة إلى جيرانها.

يقول آوكه لونت، الرئيس التنفيذي لشركة شتاتنت Statnett، شركة الكهرباء الحكومية النرويجية، “الكهرباء الرخيصة يمكن أن تخدم احتياجاتنا من الطاقة في المستقبل، سواء في الشاحنات أو السيارات أو التدفئة المنزلية، فإن استخدام الكهرباء آخذ في الارتفاع منذ الآن”.

وأضاف الكهرباء توفر نحو 20% من الطاقة اليوم، وسيتعين عليه أن يرتفع إلى 50% بحلول 2050، إذا أرادت البلدان الوفاء بالتزاماتها المناخية، وفقا للوكالة الدولية للطاقة المتجددة.

يضيف لونت: “نظامنا العالمي قائم على النفط لكن هذا يتغير الآن”، مضيفا “في الوقت الذي ننتقل فيه من الكربون (الوقود الأحفوري) إلى الإلكترونات، سيكون لدينا نظام عالمي يكون فيه الإلكترون أكثر أهمية من الكربون”.

نمو الطاقة النظيفة

وخلال عام كورونا، كانت الطاقة النظيفة الجزء الوحيد من قطاع الطاقة الذي شهد نموا، ففي العام الماضي، سجلت الكهرباء التي يتم توليدها بالطاقة المتجددة رقما قياسيا بلغ 200 جيجاوات، في حين تقلص باقي قطاع الطاقة.

ووسط الركود الناجم عن الوباء، انخفض الطلب على النفط 8.8% والطلب على الفحم 5%، مقارنة بالعام السابق، وفقا لوكالة الطاقة الدولية.

تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تتجاوز الطاقة المتجددة قريبا الفحم باعتباره أكبر مصدر لتوليد الكهرباء، وقال فاتح بيرول، رئيس وكالة الطاقة الدولية، في مؤتمر صحفي في يناير/كانون الثاني: “يمكننا القول إن مصادر الطاقة المتجددة كانت محصنة ضد كوفيد.

وأضاف شهدت كل من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح زيادات كبيرة (العام الماضي)، تظهر أرقامنا أن مصادر الطاقة المتجددة ستصبح أكبر مصدر لتوليد الكهرباء بحلول عام 2025، حيث تتجاوز الفحم – وتنهي هيمنة الوقود الأحفوري التي سادت في العقود الماضية”.

طرق النفوذ الجديد

وجد تقرير الوكالة الدولية للطاقة المتجددة 3 طرق يمكن للدول أن تمارس بها نفوذها في النظام الجديد. أحدها عن طريق تصدير الكهرباء أو أنواع الوقود الأخضر.

طريقة أخرى هي التحكم في المواد الخام المستخدمة في الطاقة النظيفة، مثل الليثيوم والكوبالت. والثالثة هو اكتساب ميزة في التكنولوجيا، مثل بطاريات السيارات الكهربائية.

مع توافر الموارد المتجددة بسهولة، يعتقد فاد دي جراف أن التكنولوجيا هي التي ستصبح في نهاية المطاف أكبر عامل تمايز.

تفوق صيني

وجد إحصاء لأنشطة البلدان في مجال الطاقة النظيفة أن الصين تتقدم بفارق كبير عن البقية، وتنتج الصين أكثر من 70% من جميع الألواح الشمسية الكهروضوئية في العالم، ونصف السيارات الكهربائية وثلث طاقة الرياح، كما أنها أكبر منتج للبطاريات وتتحكم في كثير من المواد الخام الضرورية لسلاسل توريد التكنولوجيا النظيفة، مثل الكوبالت والمعادن الأرضية النادرة والبولي سيليكون، وهو مكون رئيسي في الألواح الشمسية.

وتبنت بكين تصنيع الطاقة المتجددة في وقت مبكر نسبيا، مع التركيز بشكل خاص على الألواح الشمسية ومصابيح LED. تم رصد كل هذا بشكل فائق في سبتمبر/أيلول 2020، عندما أعلن الرئيس تشي جين بينج في الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الصين ستصل إلى الحياد الكربوني بحلول عام 2060.

وتحدث تشي عن “الفرص التاريخية” التي أوجدتها هذه المرحلة الجديدة من “التحول الصناعي”، ففي العام الماضي قامت الصين بتركيب 120 جيجاوات من توربينات الرياح الجديدة والألواح الشمسية محليا، أي أكثر من ضعف العام السابق.

ولا تزال الصين أكبر مصدر لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري في العالم وتعتمد بشكل كبير على الفحم، الذي يوفر 58% من احتياجاتها من الكهرباء. غير أن شركاتها مستعدة للاستفادة بشكل كبير، ليس فقط من تحول الطاقة المحلية، ولكن من الطلب المتزايد على منتجات التكنولوجيا النظيفة في جميع أنحاء العالم. في الوقت الذي تعمل فيه الاقتصادات الكبرى على تحقيق أهدافها نحو الصفر الصافي، سيتعين عليها شراء المزيد من الألواح الشمسية والبطاريات والمعادن المهمة.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: