مقالات

الرد على ادعاء أن البنوك الإسلامية لم تكن ملتزمة بالشريعة لذلك لا جديد في تطبيق النظام الربوي التقليدي

بقلم الخبير المصرفي د. لؤي عبد المنعم

لست بصدد توضيح الفرق بين النظام المصرفي الإسلامي و الربوي فالامر لا يحتاج مني إلى تكرار ما هو منشور في القوقل و كتب فيه آلاف البحوث و المقالات و سبق أن وضحت في رسالة صوتية وجهتها للرأي العام قبل ايام مآلات تطبيق النظام المصرفي المزدوج و خطل تنفيذه على صعيد تقسيم رأس المال و الرقابة الشرعية و المالية على المصارف في ظل الانحياز لرؤية أحادية بدون تفويض و تأثير ذلك على أداء البنوك و الاستقرار الوظيفي للعاملين بها .. النظام المصرفي الإسلامي أحرز مكانة متقدمة و قد تحدثت مفصلا في مداخلة سابقة عن نسبة نمو المصارف الإسلامية مقارنة بالربوية و حجم الأموال المستثمرة في كلا النظامين .. و الحقيقة التي يعرفها المناهضين للنظام المصرفي الاسلامي جيدا هو أن نظامهم الربوي بات يترنح منذ التسعينات في ظل التقدم المطرد للصيرفة الإسلامية التي ساهم علماء السودان في ارساء تشريعاتها عالميا .. المشكلة التي واجهتها المصارف الإسلامية في السودان هي العمل في ظل حصار دولي و الصمود في وجه الحصار و محدودية قنوات التعامل الخارجي إضافة إلى محدودية رأسمالها الأمر الذي انعكس سلبا على أداء بعض موظفيها في ظل ضعف التدريب في مجالي تنفيذ المعاملات و صياغة العقود بالشكل الذي يحد من النزاعات في المحاكم كون الأخيرة ليست ناجزة في أحكامها و ساهمت في تكدس المعسرين في السجون (الحجز حتى الدفع) .. سندات الدين العام (شهامة و أخواتها ساهموا في رفع نسبة أرباح تمويل البنوك كي تغطي تكلفة الودائع في مجاراة البنوك للشهادات الحكومية حفاظا على المودعين و التي تدفع أرباح بين 20 و 25% سنويا .. الوضع في السودان كان استثنائي و الحكومة اضطرت في ظل الحصار إلى التركيز على الاقتراض من الداخل و هو إجراء سليم عبر تنظيم اكتتابات بمساعدة المصارف السودانية و الأجنبية . و ما ذكرته آنفا في تعليقي يخص مآلات قرار الحكومة الانتقالية الغير مفوضة في تطبيق النظام المصرفي المزدوج في ظل النظام الشمولي الاقصائي اليساري القائم على فرض أجندة اليسار بالقوة دون مراعاة لهشاشة الوضع الاقتصادي و تراجع موازنات المصارف بالقيم الحقيقية و ليست الدفترية . حذرنا و مازلنا نؤكد أن سياسة الإقصاء و أبعاد الكفاءات و فرض رؤى أحادية بدون توافق حولها من شأنه أن يقضي تماما على ما تحقق من إنجازات في فترة سابقة للثورة . و معاناة المواطنين اليوم خير شاهد على سوء إدارة الفترة الانتقالية .. تجريم توجه محدد و تجيير القصور الناجم من أفراد إلى ادعاء القصور في التشريعات السماوية بوصفها تفسيرات خاطئة للدين الذي لا يصلح حسب رؤيتهم لكل زمان و مكان و لا كمرجع للقوانين من شأنه أن يعمق فشل الفترة الانتقالية التي اعترف أصحابها بفشلها و لكنهم يرفضون إتاحة الفرصة لغيرهم بوصفهم اوصياء على السودان و الحقيقة هم انقلابيين يحكمون بالبندقية و يرفضون الانتخابات و الاحتكام للشعب ..الخطأ الوحيد الذي ارتكبه وزير المالية السابق عبد الرحيم حمدي في إطار سعيه لجذب الاستثمارات الخارجية لتخفيف اثار الحصار هو المغالاة في بذل التزامات بدفع أرباح عالية غير مسبوقة عالميا على شهادات الاستثمار الأمر الذي ادى الى عجز الحكومة لاحقا عن الوفاء في سداد أرباح الودائع في مواعيدها و ترك تسييل الودائع لآلية التداول في السوق مما جعل الكثير من الشهادات أموال محتجزة غير قابلة للتسييل بسهولة برغم أنها صالحة للرهن كضمان للقروض المصرفية .. و بناء على هذه المغالاة في بذل الأرباح ارتفعت أرباح التمويل في البنوك الأمر الذي زاد تكلفة الإنتاج و بالتالي الأسعار في السوق للمنتجات المحلية و المستوردة على السواء مما جعل المعيشة في السودان مرتفعة مقارنة بمستوى الدخل المنخفض. بالتأكيد ذلك لم يكن غائبا على الوزير عبد الرحيم حمدي و لكن اقتصاد الحروب و الحصار يختلف عن غيره من الاقتصادات و برغم تحسن الوضع الاقتصادي بعد استخراج البترول لم يتم استدراك الخطأ و تصحيح الخلل الناجم عن زيادة تكلفة التمويل و تأثير ذلك على الاقتصاد الكلي. و حتى بعد الثورة نجد ان حكومة الفترة الانتقالية لا تكترث إلا لشيئ واحد هو الانتقام و الإقصاء و لم تقدم أي جديد في ظل تراجع الموارد بشكل مستمر و خطير لدرجة عجز الحكومة عن سداد المرتبات و اعتمادها على دعم الخارج خصما على استقلال القرار .للأسف البعض يقفز على ما تحقق من إنجازات في الصيرفة الإسلامية في السودان برغم الحصار و يركز على الإخفاقات المبررة اجمالا كما وضحنا اعلاه ليخرج بخلاصة فطيرة هي أن البنوك في السودان لم تكن ملتزمة بالنظام الإسلامي و بالتالي لا جديد في تطبيق النظام الربوي.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: