مقالات و بحوث

الخنق الاقتصادي… مجازر بلا حروب

بقلم/الدكتور ميثاق بيات ألضيفي

الحرب الاقتصادية ترافقنا طوال الوقت على الأقل في الأخبار نسمع عنها في كثير من الأحيان كالذي يجري ألان بين الصين والولايات المتحدة وبين إيران والولايات المتحدة, ولان الصين أقوى وتستطيع إدارة مؤسساتها الاقتصادية بطريقة مركزية لذا تعتبر فائزة في الحرب الاقتصادية, لكن الخنق الاقتصادي لإيران قد لا ينجح وكل هذا في إطار تحديات المساقات الاقتصادية الشرقية, غير إن الحرب العسكرية لن تتم بينهم والصداقة الإجبارية لربما ستسود على السطح أو حتى في الخفاء بين الجميع.

الحرب الاقتصادية ماذا والى أين تهدف؟ الحرب الاقتصادية لها نفس الأهداف كحرب عادية ويعرف ذلك الهدف بهزيمة ألعدو وهذا أمر طبيعي عندما يكون لديك عدو حقيقي أو متصور سوف تستخدم أية مجموعات وأدوات للعمل عبرها وبها ضده. وان الفرق في الحرب الاقتصادية اليوم مع القصف الاستراتيجي العسكري يبان في أن القصف الإستراتيجي يركز على قدرة الدولة وعلى شن الحرب وصولا للإبادة الجزئية، في حين تستهدف الحرب الاقتصادية مجتمعًا تامًا عبر تعطيل الاقتصاد الوطني بهدف تقويض الشرعية بسرعة ودعم الشعب للدولة العدوة ومع ذلك تكون المأساة بأعتبار الضحايا المدنيين في القصف الإستراتيجي عادةً ضررًا جانبيًا, ويتمحوروا على أنهم في الحرب الاقتصادية هم الهدف الكامل وهذه صياغة مفتوحة وصريحة إلى حد ما عندما تكون الأهداف هي بالضبط السكان المدنيين والتي تهدف في المقابل إلى زيادة الضغط على حكومتهم.

القصف الاستراتيجي كان ظاهرة جديدة في العقيدة العسكرية وأن التأثير الأعظم لم يكن بسبب القصف الثقيل المنتظم بل من خلال القصف المعتدل غير المنتظم لأنه وعبره لم تتشكل نماذج حياة جديدة, وبشكل عام فإن القصف لم ينتج التأثير المزعزع للاستقرار الذي تم التنبؤ به إذ كان هناك البديل لدى الجيوش وحتى اليوم مفهوم الحرب المالية والتي تتمحور أهدافها بخفض القدرة على تمويل الإنتاج والتوزيع كما تعمل على تقليل رغبة البلد المدافع في القتال مما يجبره على الاختيار بين البنادق والطعام, ويدعى هذا النهج بأسلوب الحرب في القرن الحادي والعشرين.

تقوض الحرب المالية حق السيادة إما من خلال مهاجمة المال والاقتصاد أو من خلال منع الوصول إلى المال والقروض ومع ذلك وبعد تحليل العقوبات الأمريكية في إطار الحرب الاقتصادية نتوصل إلى استنتاجات مخيبة للآمال فلم يكن لها تأثير كبير على الناتج المحلي الإجمالي للبلدان الخاضعة للعقوبات ومن الناحية العملية كلها أثرت وتأثرت بشكل أساسي بالعلاقات مع المجتمع المالي الدولي وأظهر مليا أن تلك العقوبات لا تعمل لتفعيل هدفها الحقيقي. غير إن النتيجة النهائية لا تزال إيجابية على الأقل في سياق حقيقة أن فرض العقوبات لا يزال غير متورط في الحرب والاستنتاج وفي السنوات الأخيرة أصبحت العقوبات الوسائل المفضلة والمستخدمة غالباً لتعزيز الأولويات الوطنية والأمنية لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية وغالباً ما تكون ذات نتائج هامة وأحياناً بطريقة فعالة جدا إذا كان من الممكن أن تكون العقوبات واحدة من أهم أدوات التنافس الاقتصادي أو الحروب المختلطة في المستقبل مع الحفاظ على القوة التي لا يمكن إنكارها بسبب فائدتها لتحقيق النتائج السياسية المرغوبة.

الميزة الرئيسية للمعاملات الاقتصادية تشع في إن المال يخلق نقاط ضعف لان الحاجة إليه كان من أجل البقاء والعمل سواء في الاقتصاد المحلي أو على المستوى العالمي وتخلق مسارات مالية لا تكمن فيها تبعيات بسيطة وليس ممكنا إخفاؤها. كما وتستخدم الأدوات المالية بالضغط وقوى السوق للضغط على القطاع المصرفي ومصالح القطاع الخاص والشركاء الأجانب لعزل الجهات المارقة من الأنظمة المالية والتجارية الدولية وتدمير مصادر تمويلها, وكل ذلك يتشكل متمحورا في كونه كنوع جديد من الحرب.

أصبح العالم بعد أن تلقى أشكالاً جديدة من فنون الاعتماد والتواصل غارقا بفجوة التوصيلية والتي ساقته ليكون أكثر ضعفا في اعتماد الدول على بعضها الآخر وأكثر وضوحًا كما وأصبح أكثر واقعية لدرجة إن البلد الذي يتلقى “العلامة السوداء” من الحكومة الأمريكية يكون كأنه محكوم عليه بالقضاء في وجود بائس, لذا فمن جراء تتبع ذلك سنرى وبالدليل القاطع إن أهم ساحة معركة في هذا الصراع لم تكن في الجو أو الأرض وإنما ارتكزت حول مهاجمة البنية التحتية المترابطة للاقتصاد العالمي وانقطاع التجارة والاستثمار والقانون الدولي والشبكة الالكترونية العالمية وطرق النقل وحركة الناس.

خطر العالم الحديث يتمحور في تخلل الاتصال المفرط وتكرر خنق الاقتصاد العالمي وكما إن اللعبة الجغرافية الاقتصادية الجديدة تلعب بالفعل بالاقتصاد الجيولوجي حينما يتم استخدام القوة الاقتصادية العدوانية لمصالحها الخاصة, وحاليا أصبحت دول العالم الحديث أكثر ترابطًا فيما بينها ولهذا السبب هناك العديد من الطرق الاقتصادية المختلفة للتأثير والتأثير المتبادل والتي كانت غائبة في أوقات الاكتفاء الذاتي وذلك حينما تكون الدول متمتعة في استقلال اقتصادي تام عن بعضها البعض ولكن في هذا الوقت سيكون من الصعب علينا التأمل والحلم بذلك. فالعالم الاقتصادي من حيث المبدأ أصبح أكثر إثارة للاهتمام ومع انه يمنح الكثير من الفرص للهجوم غير انه يمنح أيضاً فرصا للدفاع وان أي حقل يمكن أن يكون خطيرا ولذا من الضروري إعداد المتخصصين والخبراء الاقتصاديين المعنيين في الحرب والدفاع.

Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: