مقالات

التعليم أونلاين.. في مواجهة كورونا وما بعدها!

عامر السامرائي


حتى وقت قريب، كان نظام التعليم عن بعد أو أونلاين، موضع جدل بين الأوساط التعليمية لعدة أسباب، لكن جائحة فيروس كورونا فرضت واقعا مختلفا، حيث بات التعليم أونلاين حاجة لا سبيل عنها، وذلك بعد الحظر الذي فرضته معظم الدول لتقليل انتشار الجائحة.

إن استخدام نظام التعليم أونلاين ليس جديدا، فهناك عدد من الجامعات العالمية العريقة تستخدم هذا النوع من التعليم، لكن قد لا يكون سهلا في كل الدول في ظل الأزمة الحالية، التي دفعت بالمؤسسات التعليمية للتحول من النظام “المدمج” إلى نظام التعليم أونلاين، كبديل لاستمرار الدراسة.

وتستخدم عادة في نظام التعليم أونلاين تطبيقات مثل Zoom و meeting، وغيرهما، وهي برامج فيديو عبر شبكة الأنترنت، توفر معظم الوظائف الأساسية، وتمكّن الطلاب من الاستماع مباشرة إلى دروس المعلمين عبر الشاشات، لعرض شرائح المحاضرات. وقد توفر مدارس أخرى مهام خارج الفصل الدراسي، خاصة المناطق التي لا تستطيع ضمان وصول الطلاب إلى التكنولوجيا التي يحتاجونها، لها خاصية التعليم مثل kaboot!  و Quizlet و Khan Academy، والتي يمكن تسخيرها للدراسة عن بعد.

ورغم أن هذا النظام له إيجابيات، إلا إنه بلا شك سيفرض تحديات كبيرة، لذلك قد يبدو التعليم عن بعد مختلفا اعتمادا على المدرسة والطالب والمعلم، جاهزية مناطق التعليم المنتشر فيها الفيروس، وكفاية أنظمة التعليم عن بعد.

لو بدأنا بالمدرسة، فيجب أولا أن تتوفر فيها جميع متطلبات التعليم عن بعد، مثل المنصات الرقمية اللازمة، والتطبيقات الحديثة، ووضع استراتيجية واضحة المعالم، التي من شأنها أن تقدم برامج تعليمية تتمشى والمرحلة، وتراعي شريحة كبيرة من الطلبة.

كما إن النظام التعليمي هذا يحتاج إلى معلمين يتمتعون بقدرة عالية على التعامل مع التكنلوجيا الحديثة، وتتوفر لديهم امكانية تقديم محتوى، مع وسائل تعليم من شأنها أن تشدّ انتباه الطلبة، ليكونوا فاعلين في المحاضرات، وهذا يقع على عاتق المعلم نفسه بمقدار ما يبذله من جهد وعطاء لتحقيق ذلك. الأمر ذاته ينسحب على مراقبة الامتحانات واحتساب درجاتها، فرغم التطور التكنلوجي إلا إن هذا الموضوع يبقى أمرا ليس باليسير، بسبب عدم امكانية المراقبة من خلال تطبيقات التعليم لتفادي حالات الغش.

أما مسألة جاهزية الطالب، فهي لا تقل أهمية عما سبق، حيث نجد أن عملية التعليم قد تطول أكثر من فترة التعليم “التقليدي”، فإذا كانت مدة التخرج تتراوح بين الستة أشهر والسنة، فأن هذه الفترة قد تطول لأكثر من سنة في نظام أونلاين، وذلك يعود إلى أن ليس جميع الطلبة يمكنهم المشاركة في آن واحد، كما أن ليس جميعهم تتوفر لديهم وسائل التعليم التكنلوجية بسبب مناطق سكانهم في القرى والأرياف، أو قد يكونوا من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين لا يمكنهم استخدام أجهزة الكومبيوتر، لا سيما وأن هناك طلبة العلوم المخبرية والطب، والفنون اليدوية، فهؤلاء يحتاجون لتطبيقات عملية لا تتوفر في نظام تعليم أونلاين.

الأمر الآخر مناطق الفيروس، إذ أن الدول لم تكن مستعدة لفيروس كورونا، لذلك توقفت الدراسة في كثير منها إلى أجل غير مسمى، الأمر الذي أدخل مجال التعليم أزمة خطيرة، وهذا تحد كبير، إذ كيف سيستمر التعليم في هذه الحالة، وماذا سيفعل الطلاب الذين لا يستطيعون التخرج، وما مدى كفاية سياسات الدول حول هذه القضية، وكم من الوقت سيستغرق فتح المدارس بعد القضاء على فيروس كورونا ؟!.

تحديات كبيرة تواجه كثير من الدول، ولكن يمكن تقليل الأضرار من تعطيل التعليم، إذا ما تمكنت تلك الدول من “رقمنة” عمليات التعليم واستخدام المنصات الإلكترونية.

الأمر الأخير هو أنظمة التعليم، حيث كانت منصات التعلم عبر الأنترنت في العديد من الجامعات بالعالم، تُستخدم على الأقل جزئيا قبل ظهور فيروس كورونا، في حين استخدامها في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية لا يكاد يذكر. ومع انتشار الفيروس أعلنت معظم المؤسسات التعليمية عن خطوات مهمة فيما يخص التعليم أونلاين، ولكن لو تم احتساب تاريخ ظهور الفيروس، وسرعة تفشيه، ووقت خروج المدارس عن الخدمة، ووقت تطوير منصات التعليم، يتضح أن الخطوات التي تم القيام بها حتى اليوم ليست كافية. ومع ذلك، ينبغي التأكيد على أن العلاج الوحيد لتقليل الاضطراب الحاصل في التعليم هو اعتماد أسلوب التعليم أونلاين.

رغم كل التحديات آنفة الذكر، إلا أن التعليم عن بعد في هذه الظروف التي أوجدتها جائحة كورونا، أدحض نظرية عدم القناعة بمبادئ هذا النوع من التعليم، التي تعتقد أن الشهادات الصادرة عنه غير موثوقة، والمفارقة أن وزارات التعليم العالي والبحث العلمي في الدول العربية، التي لم تكن تعترف بشهادات التعليم عن بعد، كانت سباقة في اعتماد هذا النظام في الفترة الراهنة.

ففي نظرة سريعة لأهمية التعليم عن بعد، نجد إنه يساهم في ديمومة التعليم، ويقضي على الأمية، ويساهم في سد النقص بأعضاء الهيئة التدريسية، ويعمل على تطوير البلدان النامية، فضلا عن صقل المواهب الفردية.

كما إن التعليم عن بعد، يوفر وسيلة اتصال تكنلوجية تتيح للطالب التواصل مع أستاذه، لتبادل المهام والواجبات، إلى جانب اعتماده على نفسه في فهم المادة من خلال عملية البحث السهل عبر استخدام الأنترنت، ما يعني كسبا واستثمارا للوقت.

في تقديري، أن جائحة كورونا قدمت لنا ثقافة جديدة بخصوص التعلم عن بعد، إذا ما أحسنا استثمارها، وذلك من خلال تخصيص المزيد من الميزانية لهذا النظام، والعمل مع الشركات والمؤسسات الرائدة العالمية، لتهيئة البنى التحتية اللازمة وفق قواعد سليمة، لمواجهة كل التحديات التي يمكن أن تعترض اعتماده، وبهذا يمكن أن تشكل نقلة نوعية في العملية التعليمية لم تكن موجودة من قبل.

فهل لدينا الجرأة لاستثمارها ؟!.

عامر السامرائي

 

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: