غير مصنف

التشريع الإسلامي ومستجدات المسائل حوله

"أ.د. محمد امحمد بن طاهر"

التشريع الإسلامي ومستجدات المسائل حوله

تحليل البيع وتحريم الربا

مقدمة

الحمد لله والصلاة والسلام على خير خلقه ومن بعث بالسنة السمحة والمحجة البيضاء.

وبعد، فقد جاء إسلام رحمة للعالمين وعقيدة اختص بالدنيا والآخرة، حيث جعل من الدنيا سبيلا للآخرة قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.(القصص.83) وقال جل في علاه: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القصص.77(

لم يكن هم التشريع الإسلامي إلا الحث على السعي في الأرض والتمتع بما أكرم الله به خلقه مما أحله، وبما ألزم به المؤمنين من عباده من نظم وتشريعات تدعم قواعده الإلزامية بأسس اعتقاديه وعقلية ونفسية.

وقد قرن الله تعالى حل البيع بحرمة الربا؛ لبيان البديل الشرعي، لأن الله أحل الطيبات من الرزق وحرم الخبيث منها، والربا لا يتحول إلى بيع ولا يخرج عن صورته المحرمة ليصبح بيعا.

وفي إطار ما نكتب حوله، يجب أن يتم التمييز بين جوهرين مهمين:

  • قصد من يريد التخطيط للإسهام بقسط وصولا لنظام شامل لمجتمع تظلل تعاليم الإسلام أركانه، وتنير سائر منظوماته.
  • قصد من يريد تناول قضية مستقلة عن سائر جوانب المجتمع، بمعنى استمرارية النظام السائد، وبقاء المؤسسات على ما هي عليه.

بالنظر إلى كلا المقصدين، يمكن إدراك الاختلاف، فعلى الصعيد الأول: تشرح الماهية في ظل نظام شامل، وبذلك يؤتي أكله، وعلى الثاني: يكون اليأس طالع الشرح، وانعدام الفائدة النتيجة المحتومة؛ ومرجع ذلك إلى عدائية النظم السائدة لمشروع الإصلاح.

غير إن هذا وإن شكل عذرا، فأمر إعادة النظر والحجاج حوله، وحول ما بدا ويبدو من المسلمات، ليس له مبرر، بصرف النظر عن نسب القبول والرضا.

واختياري لمناقشة بعض المستجدات حول (تحليل البيع وتحريم الربا) يأتي إيضاحا لكيفية تحول هذه القضية، من قضية حلال أو حرام، إلى قضية حية يكون أساسها من جديد، محو أنساق المعرفة المغلقة ذات الصبغة الاستبدادية، فالفكر الإسلامي فكر متجدد، وعقلانيته تتمثل في أحقية الإنسان، ممارسة كامل حقوقه، انطلاقا من الثوابت، وبتوجيه من المعطيات والحيثيات التي ترافق وتوافق هــــــذه الثوابت.

وهنا حقيق بي أن أؤكد على أن عدم تحصيل العلم الضروري بمسائل البيع والشراء، وقضايا الربا، وما تعانيه اقتصاديات العالم الإسلامي من تدبدب، ليس له من سبب إلا البعد عن مفاهيم ومقاصد التشريعات الإسلامية، والارتكان إلى أنظمة ربوية لا تعنى بشيء غير ما يملأ خزائنها.

ونظرا تشعب مسالك الموضوع قيد الدرس وصعوبة إيفائه حقه ومستحقه؛ فقد نأيت عن الإطناب في مناقشة المؤتلف والمختلف من الآراء وحاولت قدر الجهد في أن أكتفي بالإشارة بديلا عن العبارة، مقتصرا عما بدا لي مهما، في غير تعمد ولا إهمال.

التشريع الإسلامي

التشريع الإسلامي، تشريع رباني، ووحي إلهي، فهو لا يوظف الفلسفة في ما يقصد إليه؛ لأن للفلسفة مذاهب شتى، فعلى أيها نعتمد؟ أعلى الفلسفة المثالية أم المادية؟ ثم بأي مثالية نأخذ؟ وكذلك الحال مع العلوم التطبيقية، فهي لا تأخذ منها، وإن ورد فيها ما يتفق وقضايا التشريع، وهي ليست من قول الأمراء أو الحكام، وهي لا تؤخذ من الهيئات الحكومية، والبرلمانات النيابية؛ ذلك لأن معظم القوانين والآراء التي توافر عليها هؤلاء وهؤلاء، قد وضعت لصالح فئات معينة، ولاستغلال الأقلية للأكثرية. إنها قوانين وضعت على شكل مواد تقود إلى الانحراف، ومواد أخرى تنص على التجريم، وتنكل بالمخالف، فهي تخلق الإجرام وتعاقب عليه؛ لكن تعاليم الشرع ومقاصد أحكامه جميعا من عند الله، وهي “منوطة بحكم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع وللأفراد”[1]، وما دور العالم حيالها إلا الاستقراء والتحليل ومقاربة فهم المراد والمقصد. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾.)النساء. 82)

الشريعة الإسلامية في واقع أمرها “مبنية على مراعاة المصالح، وأنها نظام عام لجميع أفراد البشر دائم وأبدي، لو فرض بقاء الدنيا إلى غير نهاية؛ لأنها مراعى فيها مجرى العوائد المستمرة”.[2]

ومع التسليم مع من يرى أن المقاصد الشرعية “باعتبار آثارها تنقسم إلي ثلاثة أقسام: ضرورية, وحاجيه, وتحسينية، وتنقسم باعتبار تعلقها بعموم الأمة إلى كلية وجزئية, وتنقسم باعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة, أو الأفراد, إلى قطعية أو ظنية أو وهمية”.[3] فإننا لن نقع في دائرة التناقض أو الاختلاف مع من يرى ذلك، لأن التشريعات الإسلامية في عمومها تشريعات مقصدية تتحقق الحاجة إليها، فهي تراعي النفع ودفع الضرر وتؤكد على حصول الأجر.

ومقاصد الشرع كما يراها العلماء نوعان: معان حقيقية, ومعان عرفية عامة، “فأما المعاني الحقيقية فهي التي لها تحقق في نفسها”.[4]

بمعنى أن تكون ذات منفعة وملائمة للمصلحة العامة, أو يكون في تحقيقها دفع ضرر معلوم. وقد مثل لهذا النوع من المقاصد, بالعدل, وكونه واجبا، وفي وجوبه تتحقق الغاية، وتحصل الإفادة, وكون الأخذ علي يد الظالم, ودفع الضرر، وسيادة القانون نافعا لصلاح المجتمع.

وأما المعاني العرفية العامة فهي “المجربات التي ألفتها نفوس الجماهير واستحسنتها استحسانا ناشئا عن تجربة ملاءمتها لصلاح الجمهور، كإدراك كون الإحسان معنى ينبغي تعامل الأمة به، وكإدراك كون عقوبة الجاني رادعة إياه عن العود إلى مثل جنايته، ورادعة غيره عن الإجرام”.[5]

أهمية البحث

من بين أهم القضايا التي هي على تماس مباشر مع متطلبات الحياة البشرية، مسألة البيع والشراء، وما يتعلق بها من معاملات على مختلف الصعد، وتباين البيئات واختلاف المجتمعات، وفي كل العصور.

والرسالة الإسلامية الخالدة، التي جاءت للناس كافة، بينت تعاليمها وتشريعاتها ما يتم به تبجيل من خص بالتكريم في دستورها الخالد. قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: 70)

من بين ما تجلت فيه مظاهر التكريم، إباحة البيع وتحريم الربا وعد الالتزام بالوارد فيه من نصوص مقصدا شرعيا.

ونظرا لخصوصية البحث، وضرورة الالتزام بالمسوح به، فإنني أختصر الأهمية في النقاط التالية:

  • الحاجة إلى إعادة مدارسة مقصد تحليل البيع وتحريم الربا
  • إعادة استقراء الأصل الشرعي.
  • التطرق إلى بعض من مستجدات الأمور ومستحدثاتها.
  • علاقة الموضوع بما يسمى بالصيرفة الإسلامية.

هدف البحث

  • التوصيف الفقهي لتحليل البيع وتحريم الربا.
  • عد تحليل البيع وتحريم الربا مقصدا شرعيا.
  • التعرف على بعض متعلقات الأحكام فيما يخص ما استجد من قضايا.
  • الدراسات السابقة

جاء ذكر تحليل البيع وتحريم الربا، في جل المصادر والمراجع الإسلامية التي تناولت قضايا البيع والشراء وأحكام البيوع، وفيما أعلم لا يخلو كتاب فقه إسلامي من التعرض لأحكام البيع والشراء، وما يتعلق بها من قضايا.

إلى جانب هذا، فإن الدراسات المقدمة للمجامع الفقهية على تنوعها، وخلال دوراتها المتعددة لم تخل من التعرض لأحكام البيوعات، وتناولت عديد قضايا الشراء، وما يخصها وبيان الحكم الشرعي حيالها.

وبخصوص الموضوع ذاته، فإن كثيرا من الرسائل العلمية وبمختلف الجامعات الإسلامية منها وغيرها، تناول معدوها قضية البيع والشراء وما يتعلق بها من أحكام.

إضافة إلى كل ذلك، هناك الدوريات المختصة في العلوم الإسلامية والاقتصاد الإسلامي. ومن بين أهم المصادر الحديثة نسبيا التي تناولت البيع اللاربوي والربوي بالبحث والتحليل كتاب السيد باقر الصدر الموسوم (البنك اللاربوي في الإسلام).

ما الذي يضيفه البحث

من بين ما يمكن عده إضافة لكل ما سبق وتم الكتابة حوله التالي:

  • عدم خلو الإعادة من الإفادة.
  • مناقشة بعض مستجدات الحوادث التي تقتضي بيان حكم الشرع
  • عد تحليل البيع وتحريم الربا مقصدا شرعيا

منهج البحث

إلى جانب استقراء ما وقعت عليه عين الباحث، فإن المنهج الذي اتبع كان المنهج المقارن من خلال اتباع الخطوات التالية:

  • تصوير المسألة إن كانت محل اتفاق يتم توثيقها، وإن كانت محل اختلاف يتم تحرير الاختلاف حولها.
  • عزو الآيات وتخريج الأحاديث من المصادر والمراجع المعتبرة.

الفلسفة والمقصد:

ليس لنا بهذا الخصوص إلا الاجتهاد المقنن المبني على معرفة أصول الأحكام، ومن تم، دراسة المستجد من القضايا ومقاربة الدليل في غير ميل ولا حيفان، فالمقصد الشرعي، في حقيقته رباني، لم يطلعنا الله على معناه؛ لكنه حثنا على مضاعفة الجهد ومحاورة الثابت من الدليل، وإعمال الفكر وصولا إلى ما به يكون الرضا.

وبما أن التشريع الإسلامي، تشريع رباني، ووحي إلهي، فهو لا يوظف الفلسفة في ما يقصد إليه؛ لأن للفلسفة مذاهب شتى، فعلى أيها نعتمد؟ أعلى الفلسفة المثالية أم المادية؟ ثم بأي مثالية نأخذ؟ وكذلك الحال مع العلوم التطبيقية، فهي لا تأخذ منها، وإن ورد فيها ما يتفق وقضايا التشريع، وهي ليست من قول الأمراء أو الحكام، وهي لا تؤخذ من الهيئات الحكومية، والبرلمانات النيابية؛ ذلك لأن معظم القوانين والآراء التي توافر عليها هؤلاء وهؤلاء، قد وضعت لصالح فئات معينة، ولاستغلال الأقلية للأكثرية؛ لكن تعاليم الشرع ومقاصد أحكامه جميعا من عند الله، وهي “منوطة بحكم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع وللأفراد”[6]، وما دور العالم حيالها إلا الاستقراء والتحليل ومقاربة فهم المراد والمقصد.

ولن نقع في دائرة التناقض أو الاختلاف مع من يرى أن المقاصد الشرعية “باعتبار آثارها تنقسم إلي ثلاثة أقسام: ضرورية, وحاجيه, وتحسينية، وتنقسم باعتبار تعلقها بعموم الأمة إلى كلية وجزئية, وتنقسم باعتبار تحقق الاحتياج إليها في قوام أمر الأمة, أو الأفراد, إلى قطعية أو ظنية أو وهمية”.[7]

ومقاصد الشرع كما يراها العلماء نوعان: معان حقيقية, ومعان عرفية عامة، “فأما المعاني الحقيقية فهي التي لها تحقق في نفسها”.[8]

 

المبحث الأول: البيع وأحكامه وفيه مطالب

المطلب الأول: البيع وحكمة المشروعية

إنه مما يقتضي عمار الأرض التي استخلف الله فيها الإنسان، أن يسن من النواميس ما يعين على التواصل بين الأفراد والاستفادة من بعضهم البعض، وعليه فقد أذن الله لهم في التعامل وسن لهم نواميس من أجل تعاونهم، ومن بين هذه النواميس (البيع والشراء). فالبيع:عقد يتعلق به قوام العالم؛ ذلك لأن الإنسان محتاج إلى ما يقيم به أوده، ويساعده على الاستمرار في الحياة، ومن هنا جاءت الحاجة إلى البيع والشراء، والبيع “مصدر باع الشيء إذا أعطاه الإنسان لغيره بثمن، فهو نقل الملكية بعوض”[9]، وهو عقد جائز بالإجماع، دل على ذلك القرآن والسنة، وعلم جوازه عند الناس بالضرورة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة. 275) وقـد ورد في الثابت أن المصــــطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ باع واشترى، وأمر أصحابه بذلك، فقد اشترى من جابر بن عبد الله جملا، واشترى طعاما من يهودي إلى أجل، ورهنه درعا من حديد.[10]

المطلب الثاني: أحكام البيع

للبيع أحكام وشروط ينبغي معرفتها، لعموم الحاجة، ولعدم الاستغناء عن ذلك، ومسائله كثيرة، وما يستحدثه الناس من بيوع في كل عصر وزمان أكثر، بخاصة بعد التقارب غير المسبوق، وتقاطع المصالح العامة والخاصة، ولا يتم عقد البيع إلا إذا توافرت فيه أركان ثلاثة: الصيغة التي ينعقد بها البيع، والعاقد وهو البائع والمشتري، والمعقود عليه، وهو الثمن والمثمن، وقد توافر على شرح هذه الأركان وتبيان ما فيها عديد العلماء في مختلف المذاهب الإسلامية.

والأصل في حكم البيع الجواز، غير أنه قد يكون مندوبا، كأن يقسم عليك أحد في بيع سلعة لا ضرر في بيعها، فإنه يندب البيع إبرارا للقسم. وقد يصبح البيع واجبا، فيما إذا كان الشاري مضطرا إلى طعام أو شراب، أو دواء لإنقاذ حياته، ففي الحالة هذه يجب على “صاحب السلعة أن يبيع ما تتوقف عليه حياة الآخرين، ويجبر على ذلك”[11]، وقد يكون البيع مكروها، كبيع السباع التي تتخذ للزينة، وقد يكون حراما، كالبيوع المنهي عنها، كالبيع المشتمل على الربا.[12]

المطلب الثالث: البيوع الجائزة من حيث الصيغة وأنواعها

البيوع الجائزة من حيث الصيغة أنواع كثيرة، وقد جاء في أدلة الأحكام ما يفيد وقوعها، وجواز التعامل بها، وفي هذا المقام سنقتصر على ذكرها من حيث الصيغة، التي تتمثل في الأنواع التالية:

* بيع المساومة: وهو: إيقاف البائع سلعته ليساومه فيها من يريد شراءها.

* بيع المزايدة: وهو: النداء بالسعر الذي أعطي في السلعة، لتباع في آخر المطاف لمن أعطى أعلى سعرا. ويدخل في هذا البيع عقد (العطاءات) التي تعلن عنها الشركات والمؤسسات العامة والخاصة.

* بيع المرابحة: وهو: أن يذكر من يريد بيع سلعته، تكلفة السلعة، وما صرفه عليها تفصيلا، ويقول لمن يريد الشراء، أبيعها بربح قدره 10% مثلا، أو بثمنها الذي ذكرت.

* بيع الاستئمان والاسترسال: وهو أن يقول المشتري للبائع: أنا أجهل ثمن السلعة، فبعني كما تبيع الناس، فيقول له: أنا أبيعها بكذا، فيأخذها منه بما قال.

وأنواع البيوع كثيرة، وهي مبينة في مصادر الفقه الإسلامي قديمه وحديثه، وسأقتصر على ذكر الجائزة. التي منه: بيع الماء والكلأ والنار، بيع الحيوان والطيور والنحل، بيع العمد والأخشاب، بيع هواء العقار، بيع الصوان: أي ما يعرف بالشيء المخفي في قشره أو في الأرض على رؤية بعضه، بيع الأشياء الحاضرة على الصفة: بمعنى جواز بيع الأشياء المغلفة والمحزومة في المخازن، أو فوق الشاحنات على الوصف دون معاينتها جميعا، بيع الغائب على الصفة، وهو ما يتعلق ببيع السلعة غير الموجودة بمجلس العقد، ولو كانت موجودة بالبلد، فإنه يجوز بيعها على البث أو الخيار، وإن كانت بمكان بعيد، ولا يمكن الوصول إليها إلا بعد تغيرها فإنه لا يجوز بيعها إلا على البث. البيع على رؤية سابقة: يجوز بيع السلعة على رؤية سابقة لها قبل وقت البيع، سواء كانت غائبة، أو موجودة وقت العقد، ولا تشترط رؤيتها ومعاينتها مرة أخرى وقت العقد، ويشترط أن لا تتغير من وقت الرؤية إلى وقت البيع، وألا يكون المباع بعيدا جدا، بحيث لا يمكن تحصيله إلا من بعد أن يتغير.

المطلب الرابع: البيوع المحظورة

البيوع المحظورة ترجع إلى فقد ركن من أركان البيع الجائز، أو فقد شرط من الشروط المتعلقة بأركان البيع، وهي بيوع فاسدة يجب فسخها، ومن بين البيوع المحظورة والمحرمة البيوع المشتملة على الربا، وعليه فما هو الربا الذي ورد تحريمه في الكتاب والسنة؟

 

المبحث الثاني: الربا وأحكامه وفيه مطالب

المطلب الأول: ماهية الربا

الربا ويسمى الرماء، ويسمى أيضا الريبة، في اللغة الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو ربوا، أو ربوا ورباء، زاد ونما علا، وأربيته نميته.[13] ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج.5).

وفي الشرع: “فضل خال عن عوض شرط لأحد العاقدين”.[14] وهو نوعان:

أ- ربا النساء:

والنساء معناه التأخير، وهو ربا الجاهلية، “فقد كان الرجل في الجاهلية يكون له دين على آخر، فإذا حل الأجل ولم يقدر المدين على الوفاء بما عليه من دين، قال له صاحب الدين: إما أن تقضي أو تربي، فيقول المدين: بل أربي، أخرني في الأجل وأزيدك في الدين.[15]

وربا النساء يشمل كل معاملة إلى أجل فيها استبدال مال ربوي بآخر يتفق معه في العلة، كبيع عملة بأخرى إلى أجل، يقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ {البر بالبر ربا إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء}.[16] ومعنى هاء وهاء: حاضرا بحاضر. وعلة ربا النسيئة: النقدية في العين، والمطعومية في الطعام.

ب- ربا الفضل:

الفضل معناه الزيادة، وربا الفضل، هو استبدال شيء ربوي بجنسه متفاضلا، كاستبدال رطل من تمر برطلين، ولو كان أحدهما جيدا والآخر رديئا[17]،ولا يكون ربا الفضل في غير النقد والطعام الربوي، كالحيوان، والثياب والكتب والعقارات. ولا تكون المفاضلة حراما في النقد والطعام إلا إذا اتحد الجنس، وأما إذا اختلف الجنس فلا مفاضلة.

وعلة الحرمة في الذهب والفضة، أنهما: ثمنا يباع بهما ويشترى، وتقوم بهما الأشياء، وفي الطعام، أن الطعام مما يقتات ويدخر.

المطلب الثاني: حكم الربا وأدلة تحريمه

عد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ الربا في محبطات الأعمال من السبع الموبقات، ونص القرآن على تحريمه بلفظ لا يحتمل التأويل، وتحريمه عام من غير تفريق، وهو كبيرة من الكبائر. قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة. الآيتان، 278،279).

وقد أجمع فقهاء وعلماء المسلمين عبر التاريخ الإسلامي على تحريم الربا ورد كثير من العلماء المعاصرين بقوة فتوى من أباح الاقتراض من المصارف تلبية لحاجة المضطر إلى الاقتراض، وصدرت فتوى مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره الثاني بجدة 22-28/12/1985م بحرمة فوائد المصارف.

وقد ذكر علماء الإسلام في حكمة تحريم الربا وجوها معقولة نكتفي في هذا المقام بما ذكره الإمام الرازي في تفسيره:
أولا: أن الربا يقتضي أخذ ما ل الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين يحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق بحــاجته، ولـــه حرمة عظيمة، فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرما.
ثانيا: أن الاعتماد على الربا يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقدًا كان أو نسيئة، خفَّ عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعة وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، و مصالح العباد لا تنتظم إلا بالتجارة، والحرف والصناعات.

ثالثا: أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس.

رابعا: أن الربا تمكين للغني من الفقير واستغلال حاجته وهو مما لا يجوز شرعا ولا عرفا.

المطلب الثالث: البيوع الربوية المحرمة

* بيع المزابنة: وهو بيع مجهول الوزن، أو الكيل، أو العدد بمعلوم قدره من جنسه؛ كبيع حب الزيتون بالزيت منه. وتكون المزابنة في الطعام وغيره.

* بيع الغرر: وهو ما تردد بين السلامة والعطب، أو أن يفعل البائع شيئا في المبيع يظن به المشترى الكمال.

* بيع المنابذة: وهو أن يقول البائع إذا نبذت لك الحصاة فقد وجب البيع، وكذلك ما في حكم نبذ الحصاة، كأن يقول إذا وضعت يدك على المباع، أو لبسته..الخ.

* بيع ما فيه خصومة: وهو كل بيع يتطلب مشاق وأتعاب قد تؤدي إلى عدم إتمام عقد البيع.

* بيع الأجنة، وبيع ما في ظهور الفحول.

* البيع بعد النداء الثاني لصلاة الجمعة.

* الرجوع في البيع بعد الركون.

* بيع النجش: وهو أن يزاد في الشيء المباع لا لغرض الشراء، وإنما لإفادة البائع نظرا لأمر خاص، أو نكاية في المشتري.

المبحث الثالث: مستجدات المسائل

المطلب الأول: الصيرفه الإسلامية الأصل والمنشأ

الصرف في الشرع: بيع الأثمان بعضها ببعض، وهو أنواع: بيع عين بعين ليست من جنسها وهو الأصل في معنى الصرف، وبيع الذهب بالذهب، وبيع الفضة بالفضة، وهو ما أطلق عليه علماء الفقه (المراطلة) إن كان بيع كل واحد منهما بجنسه وزنا، و(المبادلة) إن تم بيعهما عددا، وهذا مجرد اصطلاح، ولتحقق الصرف يجب أن يتوفر شرطان هما: القبض، والمماثلة بين العوضين في الجنس الواحد.

بيع العرية: العرية جمع عرايا، وهي من البيوع الجائزة لما فيها من جبر لخواطر المحتاجين، وهي: “هبة ثمر النخل أو غيره، مما من شأنه التيبس، يهبه مالكه دون أصوله، رطبا على الأشجار، ثم يشتريه من الموهوب له بثمر يابس يدفعه له عند الجذاذ، وتكون في مثل الجوز واللوز والعنب والنخيل والتين، وهي رخصة مستثناة من البيوع الربوية، إذ الأصل فيها المنع لأنها بيع الرطب باليابس المنهي عنه للمزابنة، ولأن فيها بيع الطعام بطعام مع التأخير، واحتمال التفاضل في بيع الطعام بجنسه”.[18]، وفي الصحيح عن جابر بن عبد الله أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ {نهى عن بيع الثمر حتى يطيب، ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا}[19].

ولجواز هذا النوع من البيوع، شروط يجب توافرها، من بينها أن تقع بلفظ العرية لا بغيره من الألفاظ، كالعطية والهبة والمنحة.

بيع الجزاف: مثلت الجيم والكسر أفصح، وهو بيع جائز لما فيه من التيسير على الناس، وماهيته: أن يباع الشيء بلا كيل ولا وزن ولا عدد بل بالتقدير، كالحب مكوما على الأرض، أو في أكياس، وكالزيت في الصهريج أو في الوعاء، وكالخضروات في الصناديق والأكياس، وكالمساحات والأراضي برؤيتها والاطلاع عليها. ولوقوع بيع الجزاف شروط عامة وخاصة يجب توافرها، غرض التخفيف من الغرر والتقليل منه قدر الإمكان.

بيع الخيار: من البيوع الجائزة بيع الخيار، وهو ما يحق فيه لأحد الطرفين الترك والرجوع خلال مدة معينة، وله أنواع كثيرة، كخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار المجلس. وبيع الخيار وما فيه من تفاصيل وشروط ليس من البيوع المتفق على جواز وقوعها.

بيع السلم: ويسمى أيضا بيع السلف، وهو بيع يتقدم فيه دفع الثمن، ويتأخر فيه تسليم سلعة موصوفة في الذمة غير معينة إلى أجل معلوم، وهو بيع جائز بشروط باتفاق العلماء؛ لما فيه من تلبية حاجات الناس، فهو مما قصدت إليه الشريعة أسوة بغيره من أنواع البيوع التي أجيزت لاعتبارات متنوعة، روعيت فيها مصالح العباد، ويسمى هذا النوع من البيوع بيع (المحاويج) وهناك فرق شاسع بين بيع السلم والبيع إلى أجل، ففي بيع السلم يكون البيع في “شيء موصوف في ذمة البائع غير معين، يدفع عند الأجل، ويقبض ثمنه عاجلا عند العقد، وبيع الأجل يكون في سلعة معينة غير موصوفة في الذمة”.[20]

وكما هو معروف فإن المصارف التقليدية تقوم على أساس سعر الفائدة، عن طريق المتاجرة في الديون من خلال الاقتراض من المودعين، وإقراض المقترضين، فتدفع المصارف للمودعين ثمنا محددا هو الفائدة، على الودائع وتتقاضى من المقترضين ثمنا أعلى هو فائدة الإقراض، والفرق بين الفائدتين هو المصدر الأساسي لتحقيق إيرادات المصارف التقليدية وأرباحها.

ومع التسليم بما ذكر، إلا إنني أؤكد على أن النظام السائد في ما يسمى بالصيرفة الإسلامية مبني على فقه الحيل، وأن لا فارق بينه وبين غيره من الأنظمة المتبعة في المصارف التقليدية، فكلها تتكئ على الفائدة أسوة بغيرها من التجارات والمصارف والبورصات العالمية.

وفيما يتعلق بالمعاملات التي تقتضي تعدد المتعاقدين، فقد ورد في فقه السنة ما ينهى عنه. عن النبي صلى الله علي وسلم:أنه لا يجوز (بيعتين في بيعة) أي أنه لا يجوز أن يكون هناك عقدان في عقد مع الاشتراط، فالمصرف الإسلامي يشتري العقار أو السيارة على شرط بيعه، وهذا عين المخالفة ومناط التحريم للغرر والكسب غير المشروع الذي يخالط الإجراء.

المطلب الثاني: المصارف الإسلامية

يمكن تعريف المصارف الإسلامية بأنها: مؤسسات مصرفية لا تتعامل بالفائدة (الربا) أخذا أو عطاء، والالتزام بمقاصد الشريعة في ابتغاء مصلحة المجتمع الإسلامي، ومن تم، يمكن النظر إلى المصارف الإسلامية على أنها: مؤسسات وساطة مالية ذات منهج ورسالة تتعدى كم التمويل إلى نوع التمويل ومجالاته وأهدافه، وتسعى إلى توظيف المال بأسلوب المشاركة في الربح والخسارة.

وعلى الرغم من أن مؤرخي النظام المصرفي يرجعون نشأته كما تقدم إلى فترة ازدهار المدن الإيطالية في القرن الثاني عشر الميلادي إلا “أنه يمكن القول: بكل اطمئنان من خلال البحث في العمل المصرفي، أن ما كانت تملكه الحضارة الإسلامية منذ البداية من قاعدة فكرية قوية ومتكاملة بُنيت على القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، قد ساعدها على تيسير المعاملات بين المتعاملين بكل ثقة واطمئنان، من خلال أنماط متنوعة من صيغ العقود، تغطي تقريبا كل مناحي النشاط الاقتصادي، وهذا يخالف الظن السائد لدى العديد من الباحثين الذين يعتقدون أن العمل المصرفي صناعة غربية مرتبطة بالربا، ومنقطعة الصلة بتراث الحضارة الإسلامية من قريب أو بعيد”.[21]

المطلب الثالث: الصور المصرفية في الحضارة الإسلامية

عرفت الحضارة الإسلامية صورا مصرفية عديدة في عهودها المزدهرة يمكن أن تؤخذ كدليل على إمكانية ائتلاف الأعمال المصرفية في العصر الحاضر مع المفاهيم الإسلامية، ومن تلك الصور:

  1. الوديعة والقرض: فقد ثبت أن الزبير بن العوام – رضي الله عنه – مثلا كان يستودعه الناس أموالهم، فكان يشترط على المودع الذي يستودعه المال على ألا يأخذه منه وديعة أمانة وإنما يأخذه قرضا خشية ضياعه.
  2. التعامل بالعملات: وفقا لما بينته كتب الفقه وما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أحاديث مبينة لشروط التعامل في الذهب والفضة وغيرها من الأصناف.
  3. 3. التعامل بالأوراق التجارية غير النقدية : والتي كانت محمل قبول لدى الأسواق مثل: رقاع الصيارفة وهي تقابل حاليا السند الإذني أو لأمر والصكوك أو الصكاك وهي ما تقابل الصك أو (الشيك) المعروف حاليا والسفاتج وتعرف حاليا في القوانين العراقية والسورية واللبنانية بنفس هذا الاسم كمرادف لتعبير الكمبيالة أو البوليصة في القوانين الأخرى.[22]

المطلب الرابع: نشأة المصارف الإسلامية الحديثة:

يمكن التأريخ لبداية نشأة المصارف الإسلامية بإنشاء مصرف الادخار المحلي بمدينة (ميت غمر) بمصر سنة 1963 هذه المحاولة التي لم تستمر إلا أربع سنوات رغم نجاحها ، تلاها إعداد مجموعة من الاقتصاديين الكويتيين مشروع النظام الأساسي لبيت التمويل الكويتي سنة 1967 والذي دخل حيز التنفيذ سنة 1977، وفي سنة 1974 تم تأسيس المصرف الإسلامي للتنمية وهو أول مصرف إسلامي تشارك فيه الدول الإسلامية، ويعد مصرف دبي الإسلامي الذي تأسس سنة 1975 أول مصرف إسلامي متكامل يمارس نشاطه وفق أحكام الشريعة الإسلامية تلاه انشأ بنك فيصل الإسلامي بمصر سنة 1977 ثم بنك فيصل السوداني وبنك فيصل البحريني سنة 1979 ، ثم توالى بعد ذلك انشأ المصارف الإسلامية “حتى تجاوز عددها الآن 350 مصرفا وشركة استثمار إسلامية بإجمالي أصول تفوق 400 مليار دولار”.[23]

وخلال هذه الفترة القصيرة نسبيا استطاعت هذه المصارف أن تكون واقعا جديدا يحظى بقبول واستحسان الكثير من المؤسسات المصرفية العالمية التي بدأت الأخذ بهذه التجربة وفي مقدمتها مجموعة (هونج كونج شنغهاي HSBC) وسيس مانهاتن سيتي بنك، وامتدت المصارف الإسلامية لتتواجد في عدد من الدول مثل بريطانيا وألمانيا والدانمرك ولكسمبورج والنمسا وسويسرا وهولندا وإفريقيا الجنوبية والتي حتى وان كان هدف بعضها استقطاب رؤوس الأموال الإسلامية.

وقد استطاعت الكثير من البنوك الإسلامية أن تتميز في مجال العمل المصرفي، نذكر منها: بنك دبي الإسلامي الذي استطاع أن يتحصل على جائزة أفضل بيت تمويل في الإمارات من قبل مجلة (يوروموني) العالمية و جائزة “أفضل بنك في الإمارات” لعام 2006 من قبل مجلة (بانكرز) العالمية وأن يحقق رقما عالميا جديدا في إدارة إصدارات الصكوك بعد إغلاقه أكبر إصدار صكوك في العالم لصالح “مجموعة نخيل” بقيمة 3,52 مليار دولار.[24]

ومن خلال الدراسة المقارنة التي تناولت نشاط أكبر مصرفين في مملكة البحرين خلال الفترة من 1999م إلى 2003م هما: (مصرف البحرين الوطني التجاري) و (مصرف البحرين الإسلامي) واعتمادا على البيانات الصادرة عنهما خلص الباحث إلى جملة من النتائج المهمة:

* إن أدوات العمل المصرفي المبنية على أساس المشاركة أقدر على تحقيق الاستقرار المالي اللازم لتحقيق النمو الاقتصادي من الأدوات المالية المبنية على أساس سعر الفائدة.

* استقطاب المصارف الإسلامية لأحجام كبيرة من المدخرات رغم الانتشار الواسع وجودة الخدمات التي تقدمها المصارف التقليدية.

* نجاح المصارف الإسلامية في تطوير وابتكار أدوات عمل مصرفية تتوافق مع الشريعة الإسلامية كصناديق الاستثمار وصكوك المقارضة وبطاقات الائتمان الإسلامية.

* شمولية أعمال المصرف الإسلامي، الذي جمع بين أعمال المصارف التجارية ومصارف الاستثمار والمصارف المتخصصة جعل منه مصرفا شاملا يقوم بجميع الأعمال المصرفية والمعاملات المالية والتجارية والاستثمارية والإسهام في مشروعات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الوقت الذي استفادت فيه من أساليب العمل المصرفية التقليدية من حيث الشكل، فقد تميزت عنها من حيث المضمون؛ لاهتمامها بنوعية الأنشطة التي تقوم بتمويلها؛ بما يؤدي إلى خلق تنمية اقتصادية حقيقية وتوجيه المستثمرين إلى استثمار أموالهم بما يتفق ومقاصد الشريعة الإسلامية، بالإضافة إلى قيام المصارف الإسلامية بأعمال ذات طابع خيري محض مثل إدارة أموال الزكاة.

ومما تميزت به المصارف الإسلامية، تنوع البيوعات التي تتعامل بها، ومن بينها البيوع التالية:

بيع المرابحة: وهو أن يذكر من يريد بيع سلعته، تكلفة السلعة، وما صرفه عليها تفصيلا، ويقول لمن يريد الشراء، أبيعها بربح قدره 10% مثلا، أو بثمنها الذي ذكرت.

بيع الوعد والوعد المسبق: من بين المستجدات ما يسمى (البيع المسبق) الذي يتم بطريقة يقوم الشخص فيها ببيع أسهم في وقت لاحق، وعلة تسميتها بالبيع المسبق، لكون عملية البيع تسبق عملية الشراء. وهي عملية يستطيع المستثمر من خلالها الاستفادة من الانخفاض المحتمل لأسهم أفرط الآخرون في شرائها، كما تساعد عملية (البيع المسبق) على بقاء الأسعار في وضع طبيعي.

بدأت الصيرفة الإسلامية من غير استخدام صيغة (الوعد) في معاملاتها الأولى، فكانت تشتري السلع ثم تبيعها بطريقة لا تختلف عن أي تاجر عادي، ثم لجأت إلى التقليل من المخاطر باستعمال صيغة الوعد التلفيقية أو التوفيقية في المعاوضات المالية في بيع المرابحة بين من يرى الالتزام بالوعد، ومن يرى جواز بيع المرابحة.

ومن بعد تطورت صور البيع، وصيغ الوعد، وتحول إلى صيغة (الوعد الملزم)

خاتمة

الشريعة الإسلامية “مبنية على مراعاة المصالح، وأنها نظام عام لجميع أفراد البشر دائم وأبدي، لو فرض بقاء الدنيا إلى غير نهاية؛ لأنها مراعى فيها مجرى العوائد المستمرة”.[25]

بمعنى أن تكون ذات منفعة ملائمة للمصلحة العامة، أو يكون في تحقيقها دفع ضرر معلوم. وقد مثل لهذا النوع من المقاصد, بالعدل, وكونه واجبا، وفي وجوبه تتحقق الغاية، وتحصل الإفادة، وكون الأخذ علي يد الظالم، ودفع الضرر، وسيادة القانون نافعا لصلاح المجتمع، والله خلق الإنسان وكرمه، وأسبغ عليه من الخيرات الظاهرة والباطنة، وأفاض عليه من نعمائه، وجعله خليفته في أرضه ليعمرها، وفاخر به ملائكته، وامتن عليه بأن كفل له حق الحياة حرا كريما، وبعث له الرسل، وأوحى إليهم بما فيه خير هذا الإنسان في الدنيا والآخرة.

وفي هذه المشاركة، اجتهدت في مقاربة المقصد، من خلال عرض قضية من قضايا الشرع الإسلامي التي توفر على مدارستها عديد المجتهدين، وعمل على فهم النصوص الواردة حيالها عدد لا يحصر من العلماء والمفكرين على اختلاف مناهجهم وتباين آرائهم.

غير إن ذلك وإن تحقق واقعا، فلا يدعو لترك المسألة والاكتفاء بما ورد، والحال أن النوازل تتالى، والتي تقتضي إعادة النظر في بعض الصادر من الأحكام، ومعاودة الاستقراء، والاجتهاد في الفهم، ومقاربة التوصل إلى ما من شأنه طمأنة النفوس الظامئة إلى بيان الحكم الشرعي فيما يستجد، وعلى أي أساس بني.

ومع يقيني أن الموضوع قيد الدراسة، أوسع من أن يحيط عمل سمته الاختصار، إلا أنه وكما يقال” (ما لا يدرك كله، لا يدرك جله).

وعليه، فقد حاولت قدر المستطاع، أن ألم بأساسيات العمل، وأن أشير إلى مقتضياته، وأن أذكر ما ارتأيته مهما من المستجدات، مكتفيا بالإشارة حينا، ومؤكدا على الاستئناس بالعبارة أحيانا؛ بمعنى أن يكون ما اجتهدت في إبرازه ذا منفعة وملائما للمصلحة العامة، مؤملا أن يكون فيما ذكرت خيرا، ومعتذرا عن أي تقصير، والله من وراء القصد.

تبث المصادر والمراجع

القرآن الكريم

أولا: الكتب.

ابن القيم. إعلام الموقعين عن رب العالمين. دار الحديث. مصر. بلا.

ابن عاشور. محمد الطاهر. مقاصد الشريعة. تونس. بلا.

ابن عاشور. محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير. الدار الليبية للنشر. طرابلس. بلا.

البخاري. محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري مع فتح الباري.دار الريان. القاهرة. 1988.

الجرجاني. علي بن محمد. كتاب التعريفات. دار الديان. بلا.

السالوس علي أحمد. القضايا الفقهية المعاصرة.دار الثقافة. قطر. 2006.

الشاطبي. أبو إسحاق. الموافقات في أصول الشريعة. دار المعرفة.بيروت. لبنان. بلا.

الشلابى. جمال .الطوفى وإشكالية انضباط المصلحة. جامعة قار يونس. بنغازي ليبيا. 1994.

الغرياني. الصادق عبد الرحمن. مدونة الفقه المالكي وأدلته. مكتبة الشعب. مصراتة. ليبيا. 2005.

الزبيدي. محمد مرتضى. تاج العروس. دار ليبيا للنشر والتوزيع. بنغازي. ليبيا. بلا.

بن الحجاج. مسلم. صحيح مسلم. دار إحياء التراث العربي. بيروت. لبنان. بلا.

الهاشمي. محمد الطاهر. تقييم أداء المصارف التقليدية والإسلامية. أكاديمية الدراسات العليا. طرابلس. ليبيا. 2006.

 

ثانيا: المواقع الإلكترونية.

يسري. عبد الرحمن. دور البنوك الإسلامية في التنمية الاقتصادية. موقع إسلام أون لاين على شبكة المعلومات 30/06/2005 .

بنك دبي الإسلامي. 03/01/2007.

الطيبي. منى. خبرة العمل المصرفي بالحضارة الإسلامية . موقع إسلام اون لاين على شبكة المعلومات 20/04/2002.

الكتاني. عمر دور المصارف وشركات التمويل الإسلامية في التنمية. موقع إسلام اون لاين. 14/05/2002

 

 

[1] . محمد الطاهر بن عاشور. مقاصد الشريعة. ص. 14.

[2] . الشلابى. جمال .الطوفى وإشكالية انضباط المصلحة. جامعة قار يونس. بنغازي ليبيا. 1994. من المقدمة.

[3] . محمد الطاهر بن عاشور. مقاصد الشريعة. ص .78

[4] . المرجع السابق. ص 51.

[5] . محمد الطاهر بن عاشور. مقاصد الشريعة. ص. ص 52.

[6] . محمد الطاهر بن عاشور. مقاصد الشريعة. ص. 14.

[7] . المرجع السابق. ص .78

[8] . المرجع السابق. ص 51.

[9] . الصادق الغرياني. مدونة الفقه المالكي وأدلته. مكتبة الشعب. مصراتة. 3/201.

[10] . البخاري. محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري مع فتح الباري. دار الريان. القاهرة. 1988. 5/44.

[11] . الصادق الغرياني. مدونة الفقه المالكي وأدلته. 3/203.

[12] . المرجع السابق.

[13] . محمد مرتضى الزبيدي. تاج العروس. دار ليبيا للنشر والتوزيع. بنغازي. ليبيا. 10/42.

[14] . علي بن محمد الجرجاني. كتاب التعريفات. دار الديان. ص 146.

[15] . الصادق الغرياني مدونة الفقه المالكي وأدلته.. 3/351.

.[16] المرجع السابق.

[17] .المرجع السابق.. 3/353.

[18] . الصادق الغرياني. مدونة الفقه المالكي وأدلته. 3/292.

[19] . المرجع السابق.

[20]. الصادق الغرياني. مدونة الفقه المالكي وأدلته. 3/325.

[21] . منى بن الطيبي. خبرة العمل المصرفي بالحضارة الإسلامية . موقع إسلام أن لاين على شبكة المعلومات 20/04/2002.

[22] . منى بن الطيبي. خبرة العمل المصرفي بالحضارة الإسلامي . موقع إسلام أن لاين على شبكة المعلومات. 06/04/2002.

[23] . محمد الطاهر الهاشمي. تقييم أداء المصارف التقليدية والإسلامية. ص 76.

[24] . موقع بنك دبي الإسلامي على شبكة المعلومات 03/01/2007.

[25]. جمال الشلابي. الطوفى وإشكالية انضباط المصلحة. من المقدمة.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى