مقالات

البنوك الإسلامية وريادة التغيير (1)

بقلم: د. عماد السحار


لقد كان للمبدأ الميكافيلي والتناقضات الذاتية للفكر الاقتصادي الرأسمالي دوراً كبيراً في الأزمات الكارثية التي واجهها العالم مؤخراً، ذلك النظام الذي ثبت فشله في تحقيق الرفاهية والتنمية المستدامة بسبب طغيان الربحية والأنانية على المسئولية الاجتماعية والدور التنموي للبنوك التقليدية.

كان لذلك أبلغ الأثر في لفت أنظار العالم إلى تجربة البنوك الإسلامية خاصة بعد الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة، هذا رغم إقرارنا بعدم وصول التجربة لمرحلة الرشد، فهي ما زالت تدور في دائرة مفرغة من الدراسة والبحث والتنظير بحيث تبدو وكأنه “لا يُراد” لها الانطلاق لآفاق جديدة، فهي تشبه في ذلك من أنفق الكثير من أجل وضع أساسات ناطحة سحاب ثم اكتفى ببناء كهف صغير مهدراً بذلك الاستثمارات الضخمة!

لقد جاء الشرع الإسلامي العظيم كي يُصلح الممارسات البشرية في كافة نشاطات الحياة وعلى رأسها المعاملات المالية، ولا شك أن تلك الأزمات المالية العالمية تمثل فرصة كبيرة لإظهار عظمة شرعنا الحنيف إذا ما نجحنا في ابتكار نماذج تمويلية يُقتدى بها في استدراج الأسواق إلى منافسة صحية تراعي كلاً من الربحية والمسئولية الاجتماعية بدلاً من الممارسات الحالية التي تكتفي بمحاكاة وشرعنة الممارسات الربوية.

ترجع تلك الممارسات إلى غياب الرؤية والقدرة على الابتكار في إسقاط النظرية على الواقع بما يخدم تحقيق مقاصد شرعنا الحنيف، حيث يقتصر دور البنوك الإسلامية اليوم على طرح منتجات وخدمات مصرفية ممسوخة الهوية مدّعيةً إما تلبية رغبات شريحة معينة من العملاء أو تعظيم حصتها السوقية، وهذه غاية تقليدية لا تختلف كثيراً عن الغايات الميكافيلية التي تتبناها البنوك التقليدية والتي تنحصر في تعظيم الربحية والحصة السوقية!

وهذا الحال هو نتيجة طبيعية لغياب وضبابية الرؤية وضعف الوعي بالمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية، والتي ترتب عليها الخلط بين ما هو غاية وما هو وسيلة، ومن ثم ضعفت الإرادة السياسية وغابت البيئة القانونية الملائمة، وقد انعكس ذلك سلباً على المردود الاجتماعي والتنموي للمصارف الإسلامية ما أدى إلى اهتزاز ثقة البعض بالتجربة ككل.

ولأن تسليط الضوء على المشكلة يحل نصفها، فإنه لا بد من حل نصفها الآخر عن طريق اقتراح الحلول المناسبة لها، وهذا ما سننهجه في المقالات القادمة بحيث نضع تصوراً مبدئياً لكيفية انتقال البنوك الإسلامية من دائرة “التنظير والمحاكاة” إلى مرحلة “ريادة التغيير”، وذلك من خلال ابتكار حلول عملية للمشاكل المترتبة على جشع الممارسات التقليدية وعلى رأسها مشكلة التوسع في الإقراض الاستهلاكي، فرسالتنا هي العمل على استدراج الأسواق نحو نمط جديد من المنافسة يقوم تلقائياً بحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الناتجة عن الممارسات سابقة الذكر.

Facebook Comments
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: