مقالات

الاقتصاد التركي في مواجهة كورونا!


مرت البشرية على مر العصور بأوبئة متفاوتة الشدة، لكنها جميعا كانت لها تداعيات على الاقتصاد، إلى جانب تداعياتها الاجتماعية والصحية والبيئية، ولعل وباء كورونا لا يختلف عن سابقاته من الأوبئة، إذ تبدو تداعياته أكثر تأثيرا وشدة على الاقتصاد العالمي، ليس فقط لأنه ظهر في الصين، ثاني أقوى اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، بل بسبب تطور اقتصادات العالم وتنوعها عما في العصور السابقة من جهة، وسرعة انتشاره بين باقي الدول من جهة أخرى.

وهو ما فاجأ دول العالم، حتى دفعها لاتخاذ حزمة تدابير، للحد من تبعات هذا الفيروس الذي لم يعرف له دواء حتى الآن.

لذلك لم يكن من الصعب التنبؤ بتداعيات covid-19، منذ أن تم الإعلان عن ظهوره في الصين أواخر العام الماضي، حيث أطاح بالعديد من القطاعات الاقتصادية مثل، النقل بأنواعه الثلاثة والطيران والتجارة والسياحة والنفط والبورصة، وغيرها.

ولعل الاقتصادات الناشئة هي الأكثر تأثرا من تلك التداعيات، بضمنها تركيا، إذا ما توسع انتشار الفيروس دون إيجاد ما يقضي عليه.

ومرد تلك التداعيات إلى عدة أسباب:

وقف الرحلات الجوية والنقل البري من وإلى تركيا، وهذا تسبب بتقييد السياحة، أهم مصادر الاقتصاد التركي.

كما تسبب ذلك بتراجع الحركة التجارية، خاصة الصادرات التركية التي تقدر بأكثر من ١٨٠ مليار دولار سنويا، ونصف تلك الصادرات تذهب إلى دول في الاتحاد الأوروبي مثل فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، إسبانيا، وبريطانيا التي تشهد تفشيا للفيروس، إلى جانب إلغاء المعارض التجارية نتيجة تقييد حركة الأشخاص.

لكن تركيا لم تقف مكتوفة الأيدي إزاء هذا الركود الاقتصادي، حيث اتخذ الرئيس رجب طيب أردوغان حزمة قرارات أطلق عليها “درع الاستقرار الاقتصادي” لتفادي تسجيل أي خسائر اقتصادية في البلاد.

وبلغت قيمة الحزمة ١٠٠ مليار ليرة، ما يعادل قرابة ١٥ مليار دولار، تضمنت تأجيل استيفاء الضرائب، وتخفيض نسبتها في بعض المجالات، وتقديم الدعم للمصدرّين، إضافة إلى تسهيلات مالية ومصرفية، وغيرها من أنواع الدعم لعدد من القطاعات، وهذا من شأنه أن ينعش بعض قطاعات الاقتصاد مثل الشركات المتوسطة والصغيرة وحتى أفراداً.

من جانب أخر، توجه كثير من القطاعات إلى تركيا بدل الصين، خاصة المعنية بالمستلزمات الطبية، وصناعة المكائن، فضلا عن الأقمشة والألبسة الجاهزة، بعد الحظر الصحي الذي فرضته الصين خلال مكافحتها الفيروس.

كما ساهم انخفاض أسعار النفط، وسعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية، في انعاش الاقتصاد التركي، حيث أصبحت تركيا سوقا رئيسيا عوضا عن الصين، فضلا عن أن تفشي الفيروس في دول الاتحاد الأوروبي بشكل واسع، ضاعف من حجم الطلب على البضائع والمنتجات التركية.

من هنا، يمكن القول إن حسن إدارة الأزمة من قبل السلطات التركية، لم يأتي من فراغ، فخلال السنوات العشر الأخيرة، حقق الاقتصاد التركي مكتسبات كبيرة، ووضع له قدما راسخة بين اقتصاديات الدول الكبرى، وهو ما ساهم في مقاومته لتداعيات وباء كورونا.

بناء على ما تقدم، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد التركي تعافيا ملحوظا، إذا ما وُجِد اللقاح المناسب للقضاء على الفيروس، إلى جانب القرارات التي يمكن أن تتخذها السلطات المعنية، لتفادي آثار كورونا على الاقتصاد خلال الفترة المقبلة من جهة، والمساهمة في تسريع وتيرة انتعاش الاقتصاد وتعافيه، من جهة ثانية.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: