منوعات

الابتزاز بالشرف في المجتمعات المحافظة ….. ” جريمة قتل “

كتب : آلاء عبد الكريم


تضج مواقع التواصل الاجتماعي صور وتفاصيل انتحار نهي عميرة  من قرية صور باهر في القدس المحتلة , عقب تعرضها للابتزاز من صديقتها وشقيق صديقتها , وإعلان اهالي البلدة إهدار دم الشاب المبتز… فلقد أصبح الانتحار وسيلة احتجاج لمن لا صوت له وصرخة ألم لا تنطلق نحو السماء , بل للأسفل باتجاه الارض فتذهب بصاحبها الي قبر موحش يتقلب فيه …

فلقد أقدمت عميرة بنت ال 31 عام على الانتحار بقطع شرايين يدها بسكين حاد وذلك عقب تعرضها لابتزاز من صديقتها وشقيق صديقتها , وهى زوجة وأم لطفلين  لعائلة محافظة في مدينة القدس , تزوجت عميرة وهي بعمر 16 عام , نشب خلاف بين أخ المجني عليها والجاني , ولا علاقة للمجني عليها فيه , وانتهي الخلاف بعطوه للجاني ب 4000 دينار اردني , لكنه لم يكتف وقرر الانتقام من المجني عليها ايضا .  تعرفت عميرة على اخت الجاني  دون معرفة صلة القرابة بينهما ,و دعتها الي تناول الغداء وعقب تناولها الطعام فقدت الوعي ,  ولم تعلم ما حدث معها عندما استفاقت , عقب ساعات  قليلة وصلت اليها اول صورة وقاموا بابتزازها بالمال مقابل عدم فضح الصور مما اضطر المجني عليها الى بيع كل ما تملك من الذهب ,” وبكل مره تستفز بصورة جديد وفيديو جديد , فحاولت الانتحار اكثر من مره , وأجبروها على تناول حبوب مخدرة فقررت في نهاية المطاف التوجه لعائلتها وارتمت في احضان امها باكية وأخبرتهم بتفاصيل الحادثة وحاولوا احتوائها ومعالجة الموضوع بشتى الوسائل ,وحاول اهلها التواصل مع الجاني ليتوصلوا الي حل بدون احداث ضجة بحكم العادات والتقاليد , فطالب الجاني بمبلغ مالي كبير مقابل الفيديوهات والصور , فقدت نهي عقلها وتوازنها وفي يوم قامت على صوت والدها  ووالدتها يبكوا من شده الالم فقررت ان تنهي حياتها بنفسها لتريح نفسها وأهلها من هذا الالم , هذه ليست قضية عميرة وحدها هذه قضية مجتمعات بأكملها , الي أي حال وصل الشباب وهل وصلنا الي زمن العبث بشرف بناتنا والمساومة عليها !!!!!

يري  ميثاق الضيفيدكتور العلاقات الدولية والاقتصاد ” : بان الابتزاز الشرفي يعد النوع الاكثر تطرفا اذ ينطوي على تهديد نفسي ومادي يحول حياة الضحية لجحيم , وتعد النساء والأطفال المراهقين الفئات الاكثر استهدافا وتضررا من هذه الجرائم , وتنتشر جرائم  الابتزاز الشرفي  بكثرة حول العالم نتيجة الفراغ الإجتماعي , والتفكك الاسري وضعف الرقابه الأسرية على الأبناء والفقر وضعف الوازع الديني والعقد النفسية والاضطرابات لدي البعض وشعور البعض بالاستفزاز , ويذكر الضيفي ان الابتزاز الشرفي هو مجموعة من الجرائم التي يندي لها الجبين  يقترفها مرضي النفوس والذين انعدمت لديهم الانسانية , ويعدد الضيفي انواع الابتزاز الشرفي التي تهدد حياة المجتمع الي ابتزاز مادي بطلب مبلغ مالي من الضحية مقابل عدم فضحه وإفشاء اسراره وابتزاز جنسي بإجبار الضحية على تقديم خدما جنسية او ارتكاب افعال جنسية وابتزاز منفعة بإرغام الضحية على القيام بخدمات اخرى غير مشروعة او مشروعة مقابل عدم بث صور او بيانات خاصة وخاصة لأشخاص ذوى المناصب الحساسة وصانعي القرار, ويتساءل الضيفي هل يعاقب القانون على جريمة التهديد و الابتزاز , فبكل تأكيد ان اغلب القوانين العربية والعالمية تعاقب كونها من  الجرائم الخطرة والتي تناولتها معظم القوانين وعالجتها بفرض عقوبات قاسية على المجرم تصل الى الحبس ودفع غرامات مالية عالية , ولكن ذلك لم يردع البعض من المبتزين الذين يواصلون ابتزازهم وبالذات للفتاة وللمرأة ويستقون عليها بصورها وصورتها ورسائلها , وقد يصل الامر لتصوير مقاطع لها وفبركتها او دبلجتها ليجعل هذه الفتاه تقع بين نارين اما الرضوخ للمبتز وتنفيذ مطالبه وغالبا ما تكون هذه المطالب أخلاقية أو الفضيحة , ويستمر هذا المبتز في استرجاله على هذه الضحية والاستمتاع بإذلالها لتقديم مزيد من التنازلات او المدفوعات.

ويؤكد  الضيفي ان المهمة تقع على عاتق مجتمعاتنا الشرقية في معالجة ومعاملة هذه الجرائم الشرفية بكل سرية وبكل دقة وحرفية على أيدي  أناس مدربين سواء خبراء في عالم التقنيات وخبراء في علم النفس بالتعاون مع خبراء في القبض على المجرم المتخفي وراء الستار , ويجب عدم اغفال دور الاسرة في مراقبة الابناء ودعمهم وإشعارهم بالثقة والأمان في حال تعرضوا لمثل هذه الحالات من التهديد , والا فقدنا عدد أكبر من المراهقين والشباب جراء الانتحار.

 

وتشير نيرمين البورنو  “دكتورة تكنولوجيا التعليم” : ان التكنولوجيا الحديثة أصبحت سلاحاً ذو حدين , حيث ان الفارق بين ايجابية التكنولوجيا وسلبياتها في العصر الحديث يتوقف على استخدام الفرد لها , فإذا استخدمها الفرد كنوع من المعرفة , ومسايرة الواقع , ومعرفة ما يدور خارج النطاق اصبح ايجابيا , والعكس اذا لم يستخدمه بالشكل الصحيح , يصبح سلبيا , بحيث يستخدمه في غير موضعهفي ظل التطورات الهائلة لتكنولوجيا المعلومات ، ونظراً للعدد الهائل من الأفراد والمؤسسات الذين يرتادون هذه الشبكة ، فقد أصبح من السهل ارتكاب أبشع الجرائم بحق مرتاديها سواء كانوا أفراداً أم مجتمعات محافظه بأكملها , فالجاني لا يحمل مسدسًا ولا يسطو على متجر ، فهو جالس في بيته ولا يجد عناء في مجرد الضغط على زر يدخل به إلى شبكة الانترنت ويبدأ في اصطياد ضحاياه ، وجرائم الإنترنت متعددة الصور والأشكال فلم تعد تقتصر فقط على اقتحام الشبكات وتخريبها أو سرقة معلومات منها بل شملت أيضاً جرائم أخلاقية مثل القتل  والابتزاز والخطف , ويقوم مجرمو الإنترنت بانتحال الشخصيات والتغرير بصغار السن بل تعدت جرائمهم إلى التشهير وتشويه سمعة ضحاياهم ولكن الأغرب من ذلك أنهم يحاولون تشويه سمعة مجتمعات بأكملها خاصة المجتمعات الإسلامية والعربية .

وتضيف البورنو الي أن الأسرة تواجه تحديات جسيمة وكبيرة في تنشئه ابنائها ,  وذلك في ظل الانفتاح المعلوماتي التقني الذي نعيشه ، حيث أصبح أمر تربية الأبناء بحاجة إلى الكثير من الجهد في بيئة تكنولوجية مملوءة بالمؤثرات ، التي تنعكس على الكثير من شخصية الأبناء خاصة الذين يعانون غياب الأب والأم أو عدم مواكبتهما لما يحدث حولهما من ثورة تقنية  وبالتالي غياب الرقابة حول هذا التحدي الكبير  والجرائم الناعمة التي ترتكب عن طريق إستخدام شبكة الإنترنت ومنها القرصنة والصور الخادشة والابتزاز , حيث أصبح العالم افتراضياً وأصبحت الشخصية رقمية ، وأصبح الإنسان متفاعلاً مع تلك الشخصيات الافتراضية معزولاً عن علاقاته الاجتماعية فأصبح انسحابياً ، وبذلك إذا لم تكن هناك رقابة من الأبوين على الأبناء ,فإن الأمر سيعرضهم للخطر فيصبحوا ضحية شخصيات افتراضية تجذبهم إلى عالمها ، فهناك الكثير من الحالات من الأبناء الذين يتعرضون للتهديد من تلك الشخصيات الافتراضية وهم بذلك لا يستطيعون إبلاغ أهلهم بما يتعرضون له.

وتؤكد البورنو على ان المسؤولية الكبري تقع على عاتق الأسرة  والمدرسة والمؤسسات التربوية  فيجب عليهم توعية الابناء بمدى خطورة تلك المواقع ,  وحول أهمية وكيفية الرقابة الأبوية  وذلك يمكن معالجته عن طريق عدم وضع جهاز الكمبيوتر في غرف الأبناء  بل في الأماكن المفتوحة أو التي تقع تحت رقابتهم ، وأن يتنبهوا إلى تواريخ فتح صفحات المواقع الإلكترونية بشكل مستمر ، ويجب أن تكون الرقابة واعية لا صارمة ، وعقد الصداقات مع الأبناء والتحدث بشكل غير مباشر عن مخاطر تلك التقنيات أمامهم ، وتشدد البورنو  على أهمية  دور المدرسة والمرشد الاجتماعي  في التوعية بمخاطر الجرائم الناعمة ، وأهمية العلاقة الوثيقة بين الأسرة والمدرسة , وتذكر البورنو  ان المسؤولية تقع على المؤسسات التعليمة مثل وزارة التربية والتعليم فيجب ان تخصص دروس للتوعية والتثقيف في المدارس .

وأكدت ياسمين نايف عليان “دكتورة علم النفس التربوي “: على  أن الانتحار يحدث بسبب شعور الفرد بالاكتئاب ولعلاجه لابد من تحديد نوعية الاكتئاب , وعددت عليان أنواع الاكتئاب , هل هو مرضي “كاضطراب أو مشكلة نفسيه ”  مثل الاكتئاب الذهاني  “يكون فيه المريض غير متصل بالواقع  خارج عن الوعي عند انهاء حياته “,  أم هو الاكتئاب العصابي والذي “يكون فيه المريض على اتصال بالواقع ويكون على وعي بالتخطيط لإنهاء حياته “,  أو هو بسبب ضغوط حياتية معينة مثل سوء الحالة الاقتصادية “كالفقر وتراكم الديون والفلس” أو لأسباب اجتماعية “كالرفض الاجتماعي والعزلة وفقدان الشهرة والخوف من ردة فعل المجتمع ” أو بسبب  سلوكي “كتعاطي المخدرات وشرب الكحول ” أو لأسباب جسدية “كالمرض والإحباط الجنسي ” أو بسبب عمليات الاسقاط والابتزاز مثل حالة عميرة  البالغة من العمر (31) سنه متزوجة ولديها طفلين من أسرة متحفظة جدا, والتي تعرضت للابتزاز  من خلال الصور والفيديوهات مما أدى بها للانتحار نتيجة الحالة المأساوية التي تعرضت لها الفتاة من ناحية جسدية من فقدان عرضها وشعورها بالخيانة وعدم الثقة  بأحد ، ورؤية عجز كل من حولها بمساعدتها جعلتها تشعر بالمعاناة الشديدة والخوف من ردة فعل المجتمع على أهلها وبيتها ونفسها، وللتخلص من هذا الاحساس أدى إلى انحراف تفكيرها ،وسيطرة عليها أفكار سلبية , وتوارد لذهنها أفكار عده مثل هل “سيكون الجميع أفضل حالا دون وجودي،وهل ستحل المشكلة بمجرد انتهاء حياتي ، وهل سأتحرر من ألم المعاناة بمجرد خروج الروح من الجسد، سيغفر لي الله لأنه يعلم الحقيقة ويرى صعوبة المعاناة “, فتخرج بنتيجة لا حياة لي ، وتؤكد عليان على ان جميع الحالات التي تتعرض للابتزاز  تحتاج إلى المساندة الأسرية والاجتماعية والدينية والتربوية بجانب ضرورة  المتابعة الطبية  .

وذكرت  سحر عبد العزيز ” أستاذه تربوية ”    بأن دور المدرسة لا يقل أهمية عن دور الأسرة ذلك باعتبارها المؤسسة التعليمية الأولى التي يتلقى فيها الطالب مبادئ تكوين وتقويم الشخصية , حيث يكون الطالب على استعداد لتلقي كل ما يتلفظ به المعلم وهو الشخصية الابرز في حياته بعد الوالدين , ودعت  عبد العزيز الى الاهتمام بالقيم الاصيلة والأخلاق الحميدة وغرسها في نفوس الطلاب من خلال المناهج التعليمية التي تغرس القيم وتربي جيلا على مكارم الأخلاق .

وتؤكد عبد العزيز الي اهمية دور المؤسسات الاجتماعية لأنها تلعب دورا هاما في توعية  الأبناء حيث توضح لهن الاخطار الناجمة عن الابتزاز الالكتروني , والآثار السلبية المترتبة على الاستخدام السيئ للانترنت وانه سلاح ذو حدين , وذلك كي لا يقع الابناء ضحايا الانترنت .

وأشارت  عبد العزيز الى  دور الإعلام في تربية الأبناء لما له اهمية كبيرة ومؤثرة على الأبناء , حيث توفر وسائل الاعلام الجيدة مادة تعليمية وترفيهية للطالب ليستقي منها المعلومات الأساسية في الحياة بطريقة سهلة , وتضيف ان دور الاعلام أيضا هو  تسليط الضوء على القضايا الهامة كالابتزاز الالكتروني وغيره من القضايا الهامة  لتثقيف الفتيات والفتيان كي يأخذن العظة والعبرة ويتعلمن كيف يتصرفن في مثل هذه المواقف , وعدم الاكتفاء بنشر الخبر فقط وإنما البحث عن كافة النواحي النفسية والاجتماعية والاقتصادية المسببه له ولمحاوله القضاء على هذه آلافه. وأضافت عبد العزيز أن هذا العبء والمسؤولية  يقع على المؤسسات المجتمعية المتخصصة ، لافتة إلى أهمية العمل على  توفير رعاية الأسرة وحمايتها وتأمين الحصانة والرعاية التي تستحقها .

وأكد الخبراء الأربعة على ضرورة سن قوانين تعاقب التهديد بالابتزاز في قضايا الشرف ونشر صور بدون اذن صاحبها سواء في الصحف و المجلات أو  في وسائل التواصل الاجتماعي.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
Social Media Auto Publish Powered By : XYZScripts.com

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: