مقالات

الإقتصاد السوداني ومتاريس العلاج


واقعُ الاقتصاد بعد الثورة السودانية من ناحيةِ الجهودِ المستمرة لحكومةِ الانتقال في إِحداثِ اختراقاتٍ لفكِ شفرةِ التدهورِ الاقتصادي المستمر، وما هى النتائجُ الملموسةُ وصفاً للواقعِ المعيش ،

الدولةُ التي تستحقُ اسمها يجبُ أن تتوافر فيها أركان الدولة وهى : السيادة الوطنية = نظام حكم ديمقراطي –القضاء العادل و الاقتصاد المستقر والجيش الموحد ، وكلُّ ركنٍ يرتبطُ بالاقتصادُ فإذا ذهبَ ضعُفتِ الدولة ، فالسيادةُ الوطنية بلا اقتصادٍ مستقر ستكونُ رهينةَ  الدولِ الكبرى ، وإذا لايوجدُ نظامُ حكمٍ تداوليٍ بطريقةٍ سلمية يكونُ الاقتصادُ حبيسَ الصراعاتِ السياسية ، والجيشُ الوطنيُ المُتنازَعُ يوجِّهُ اقتصادَ الدولةِ  للحرب ، وأخيراً الإقتصادُ الآمنُ يجعلُ الناسَ يحترمون الدولةَ والقانونَ والعدالة .

معلومٌ أن الاقتصادَ السودانيَ منذ الاستقلال ظلَّ في تراجعٍ مستمرٍ لم تنجحْ كلُّ الحكوماتِ من السيطرة على التدهور إلا في بعضِ الأحيان لظروفٍ مختلفة ولكن سرعان ما تعودُ عمليةُ التراجعِ بصورة مضطردة ، وإلى محاور الموضوع

القدرات الاقتصادية المتاحة : السودانُ زاخرٌ بكل ما يحتاجُه بني البشر من خيرات وخبرات وإمكانات مادية وبشرية ومن ذلك  الثروات الطبيعية الضخمة  ثروة معدنية -ثروة حيوانية  وزراعية ، ومصادر الطاقة: نفط –اليورانيوم  والممرات المائية الاستراتيجية للتجارة الدولية مياه النيل و المياه الجوفية ، والموقع الجغرافي الاستراتيجي ، رغم توفركافة الإمكانيات المذكوره إلا أننا لم نرتقي لاقتصاد مستقر

فلنقرأُ لوحةَ البؤس : التضخم – الفقر ، تدني مستوى  خدماتِ التعليم والصحة، وضعف الخدمات الاجتماعية من مصارف وطرق مؤهلة ومطارات دولية تتوفر فيها خدماتُ الترانسيت ، وقطارات حديثة  وضعف مستوى دخل الفرد، ضعف الأجور ، العطالة ، ارتفاع الأسعار ، – الهجرات المستمرة ،تراجعُ قيمةُ الجنيه ، واللوحةُ تطول ، لترسمَ أحوالَ شعبٍ خجول ،عاشَ دهراَ بين المجهول .

ما أسبابُ هذا الهوان والعجزِ الاقتصادي :  ويمكننا أن نُجملَ الأسبابَ في الآتي :

أولاً الحرب :  تحوَّلَ الاقتصادُ السوداني إلى اقتصادِ حربٍ بسبب الحروبات المستمرة والتي حوَّلتِ الميزانياتِ ما بين الإنفاقِ على متطلباتِ الحرب إلى الانفاقِ على ترميمِ آثار الحرب وإعادة البناء والانفاق على اتفاقيات سلام لم تُحقق سلام ، بل مصروفات وترتيبات واجتماعات واحتفالات  ،وهذه الحروبات خربتِ النفوسَ فتوقفت عن الانتاج ، وخربتِ الأرضَ فتعطلت الزراعةُ والصناعةُ وبقيتِ الثرواتُ تحت الأرض فكل نجاح يحتاجُ إلى الأمان ، فكانت حربُ الجنوبِ التي أدت إلى الانفصال المرِّ ، ونتجَ عن حربِ الجنوب  صراعَ المنطقتين ثم جاءت حربُ دارفور وحربُ  الشرق وحروبٌ قبلية ، كانت كفيلةً : بتدميرِ القدراتِ وهدرِ الامكانات وخرابِ الاقتصاد وذِهابِ التضجيات

ثانياً  سوء الإدارة والتخطيط :  عدمُ قدرةِ الحكوماتِ على التوظيفِ الأمثلِ للمواردِ لترقيةِ الانتاج الزراعي والصناعي  والحيواني إلى جانبِ ضعفِ الأداءِ المؤسسي مع عدمِ اتاحةِ الفرصِ للكفاءات الوطنية ، والاعتمادِ على القيادات السياسية  الفاشلة الناتجة من المحاصصات الحزبية والقبلية والجهوية ، وابعادِ أهلِ التفكير وتغييبِ صُناعِ  الرؤيةِ الاقتصادية ، وعدمِ التنسيق بين مراكزِ القرارِ في الدولة ومراكزِ التخطيط الاستراتيجي والبحوث العلمية –عدمِ وضعِ قوانينَ مرنةٍ لتشجيع الاستثمار ،

والاستقطابِ الحاد بين الأحزاب السياسية وانغلاقِها للإهتمام بالأجندةِ الضيقة مقابلَ الأجندة الوطنية  ولهذا نلا حظُ أن معظمَ البنيات التحتية المتواضعة تمَّ تنفيذُها في زمنِ الأنظمة العسكرية حيثُ لا يُرىَ انجازاً واضحاً للأنظمةِ الديمقراطية لانشغالِها بصراعاتِها الذاتية حتى ينقلبَ عليها العسكر ، ومعلومٌ  أن التوافقَ السياسيَ هو المدخلُ الرئيس للاستقرارِ الاقتصادي ،وانتشارُ الفسادِ الاداري والمالي من بعضِ ضِعافِ النفوسِ من موظفي الدولة ، والثابتُ في علمِ الحياةِ أن الشخصَ إذا ربطَ وظيفتَه بالمصلحة الشخصية تسيطرُ مصلحتُةُ على عقله الجمعي قيجعلُ كلَّ عملٍ بدافعِ المنفعةِ ، لدرجةِ أنه إذا  لم يجدْ نصيبَه من العمل يعطِّلُ العمليةَ برُمتها دونَ النظرِ إلى المصلحة العامة وبهذا انتشرت الرشاوي والتسهيلات المدفوعة القيمة

هناك مشكلةُ الصرفِ الحكومي المبالغِ فيه كمخصصاتِ الحاكمين ونثرياتِ العلاج والسفر والكرنفالات الحكومية غيرِ ذات الجدوى ، وهناك جانبٌ يتعلقُ بالشعب نفسِه وعدمِ اهتمامهِ بالانتاجِ البسيط المتدرجِ نحو التطورإما بسبب ارتفاع تكاليف الانتاج أو بسبب ضعف العزيمة

ونتيجة سوء الإدارة لم تستفدْ الدولةُ من مواردِ البترول المالية في فترةِ انفجارِ الطاقة حيث لم يتمْ توظيفُ الأموال الضخمةِ في تأهيلِ البنيةِ التحتية وصناعةِ مشروعاتٍ زراعية ضخمة

ثالثاً : النشاط الطفيلي غير المنتج :يقومُ بهذا العملِ الراسماليةُ الطفيلية التي تتسلقُ كلَّ الأنظمةِ وتعيشُ في كلِّ العصور وتسعى للتحكمِ على حركةِ التجارة والأسواق متوددةً للحكامِ باساليبَ طفيليةٍ وتتمدد في كل الاتجاهات وتقوم بالأعمال القذرة ، تستفيدُ من النافذين وتتحكمُ في نزواتِهم وتحمي نفسَها بالقوانين الزائفة والرشاوي والتسهيلات والإعفاءات ، همُّها الثراء  بكلِّ الوسائل غيرِ المشروعة بلا وطنية ، وتقومُ بالأعمالِ الآتية :  المضارباتُ في تجارةِ العملة وتتخذُ كلَّ الوسائل لرفعِ العملات وإضعافِ العملةِ الوطنية ،  وهى وراءِ الارتفاعِ المستمر للأسعارِ ، العملُ في السمسرة بأسماء أعمالٍ مستعارة وشركات وهمية للسيطرةِ على تجارة الصادر والوارد ، والتهرُّبُ من دفعِ الضرائب واستحقاقاتِ الدولة   والتهريبُ باخراج المواد المدعومة أو المنتجة محلياً دون جمارك ، تنشيطُ السوق السوداء في كلِّ السلع الاستراتيجية كالأغذية والأدوية والمحروقات ، العملُ في غسيل الأموال القذرة بأساليبَ محميةٍ ومقننة  ، الاحتكارُ وتخزينُ السلعِ الضرورية للتحكمِ في الأسعاروغيره ، المضاربةُ في العقارات والاراضي .

كلُّ هذا أدى إلى تراجعِ الرأسمااليةِ الوطنية المنتجة العاملةِ في مجال ِالانتاج الزراعي والحيواني والصناعي نتيجةَ ارتفاعِ تكاليف مدخلات الانتاج وأزمةِ الوقود وانخفاضِ قيمة الجنيه السوداني

رابعاً التدخلات الأجنبية : اطماع الدولِ العظمى في  السيطرة على السواحل والثروات السودانية أمرٌ قديم يتجددُ ، وأبرزُ مظاهرِ التدخل الأجنبي السالب  لاضعاف الاقتصاد السوداني : – فصلُ الجنوب لفصلِ النفطِ عن الدولة – العقوبات الاقتصادية  المتنوعة : كالحظر والحصار وقائمة الارهاب والجنائية وامتناعِ البنوكِ الدولية من التعاملات المالية ، وأزمةِ الديون للمؤسسات الدولية ، والاتفاقياتُ المجحفة التي تتبناها المؤسساتُ الدوليةِ ذاتِ الأجندة السياسية مثلُ عقودِ شركة شيفرون  للبترول ،

خامساً دعم السلع الضرورية : تقوم الحكومات المتعاقبة بدعم السلع الضرورية  كالقمح والمحروقات لتخفيف أعباء المواطنين ، ولكن هذا الدعم له آثار سالبة منها استفادة الطبقات المدللة من الدعم ، وتهريب السلع المدعومة إلى خارج الوطن بالاضافة لظهور ظاهرة السوق السوداء

سادساً : ضعفُ اسهامِ المغتربين في اسناد الاقتصاد : بسبب المفارقةِ بين السعرِ الرسمي وسعرِ السوق جعل المفتربين لا يتعاملون  مع مؤسساتِ الدولة المالية وهكذا فقدتِ الدولةُ أكبرَ موردٍ للعملات الأجنبية

سابعاً: هروب رأس المال الوطني : يقومُ رجالُ الأعمال بتحويلِ أموالهِم الى الخارج لانها لا تضمنُ سلامتَها داخل الوطن. في ظلِ عدم استقرار سعر الصرف وعجزِ البنوك أحياناً عن الاستيفاء بالسيولة النقدية وتضاربِ الأحوال السياسية والانقلابات العسكرية والاضرابات السياسية والنزاعات الداخلية مقابلُ إعلانِ عددٌ من الدول تشجيعَ الاستثمارات الاجنبية  وعمل اغراءات لرجال الأعمال وتسهيلِ الاجراءت الإدارية لاستقطاب رؤوس الأموال

الاقتصاد بعد الثورة : بعد قيامِ الثورة في السودان والتي كان من ضمنِ دوافعِها سوءُ الأحوال الاقتصادية وبما أن الثورةَ وقودُها جيلُ الوعي ،وخاصةً بعدِ توَلَّىَ شأنَ الحكمِ نخبةٌ من الخبرات الاقتصادية الدولية  ارتفعت توقعاتُ الشعب السوداني في الآتي  : -رفعُ الحظر ورفعُ حصار المؤسسات المالية الدولية واعفاءُ الديون – السيطرةُ على ارتفاع الدولار ومحاربة الراسمالية الطفيلية وضبط الاسعار

– ترقيةُ الجوانب الخدمية في التعليم والصحة والمشاعر الاجتماعية – الاهتمامُ بالانتاج وتطوير الصناعة والزراعة والاستثمارات الاجنبية العادلة

الواقع المعيش : ولكن تراجعت كل الأحوال الاقتصادية فتوارتِ العملةُ الوطنية أمامَ العملات الاجنبية بصورة مخيفة ، وارتفعتِ الاسعارُ بصورةٍ خيالية مع ندرةٍ في السلع الاستراتيجية ، ، وأصبحت قضيةُ الدعمِ شائكةً  لحكومة الثورة فإن هى رفعت الدعمَ لم تنجو من غضبِ الشعب ، وإن لم ترفعْ الدعمَ ستبقى تصارعٌ في اقتصادٍ منهار ، بالاضافة إلى استمرار النشاطِ الطفيلي ، والغريب لم يتمْ رفعُ الحظر ولا إعفاءُ الديون ، واستمرَّ امتناعُ البنوكِ العالمية من التعاملِ المباشر إلَّا بواسطة دولِ السمسرة

المعالجات التي اتبعتها الحكومة الانتقالية : تم تكوينُ  لجنةَ الطوارئ الاقتصادية برئاسة نائب رئيس مجلس السيادة وعضوية وزراء القطاع الاقتصادي ، وتوقعات النجاح كبيرة لقدرةِ النائب الاول على محاربة الممارسات السالبة في الاسواق ومحاربة المضاربات والسيطرة على منابع التجارة السالبة ، بالاضافة لعلاقاته الإقليمية والدولية ،

خلاصة الكلام : لابد من الحفاظِ على استقلالِ السودان وسيادتهِ وتعليةِ شأنِ الوطن والاهتمام بالانتاج وإدارة حوارٍ داخليٍ مع القوى السياسة والفكرية لأجلِ المصالحة الوطنية الجامعة ، لان الاستقرارَ السياسي سبيلٌ للاستقرار الاقتصادي ، أهميةُ محاربةِ الرأسمالية الطفيلية وإغلاقِ أبوابِ الهيمنة وفرضِ هيبةِ الدولة وإعمالِ القانون ، الاهتمامُ  بمراكز الدراسات الاستراتيجية وربطِها باتخاذ القرار، وضرورةُ إقامةِ المؤتمرِ الاقتصادي الجامعِ بمشاركةِ كلَّ القوى السياسية والاقتصادية بلا تمييز ولا اقصاء ولا تصنيف يكونُ المعيارُ الوحيدُ هو الوطن فقط

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: