مقالات

اقتصاد السودان: هل الحل في روشتة صندوق النقد الدولي؟

دكتور / عمر محجوب الحسين


لا أحد اطلع على تفاصيل الموازنة التى تنفذها الحكومة السودانية، سوى من الاخبار ومن افادات وزير المالية وبعض العاملين في الوزارة من خلال تصريحات متفرقة لوسائل الاعلام؛ حتى موقع الوزارة يخلوا من موازنة  2019م، و موازنة 2020م في انعدام تام للشفافية، وهذا أمر مثير للغرابة ويجعلنا نتسائل هل هناك فعلا موازنة اعدتها الحكومة ام أن الاجراءات التى تنفذ فيها الحكومة هي في الاساس موازنة تم اعدادها وطبخها ليس من مختصين سودانيين لكن من جهة خارجية جعلت الوزارة والوزير مجرد منفذين ومبشرين باجراءات هذه الموازنة. ورغم ان المختصين اطلعوا على موازنة عليها شعار الوزارة خاصة بالعام المالى 2020م من مصادر غير وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي؛ جاء في تمهيدها حديث عن ضرورة أن تمثل الموازنة رؤية سودانية تستهدي بمنهج علمي مدروس؛ لكن ما نراه هو موازنة اخفيت عن أعين الناس لأنها لا تمثل رؤية سودانية، ووضعت على طاولة وزير المالية للتنفيذ وبعلم رئيس مجلس الوزراء وكأن الوزير لا زال موظفاً في تلك الجهة؛ ودليل ما نقول أنه لا مشاركة وطنية من خلال قيام مؤتمر اقتصادى جامع ولا مناقشات حولها تضع اطرها العامة وسبل تنفيذها، وبدلا من ذلك رأينا كثير من القرارات التى تخالف منطق الاشياء وتجعل حتى الاقتصاديين في حيرة من امرهم. ايضا جاء في ذلك التمهيد أنه بالأهمية بمكان أن يواكب عملية اعداد الموازنة حوار مجتمعي يتيح المجال لعدة اجتهادات ورؤى؛ لكن بدلا من ذلك نشاهد قرارت احادية تصدر من وزير المالية تستهدف تنفيذ وصفات صندوق النقد الدولي. وكان فريق من صندوق النقد الدولى عقد اجتماع مهم في الخرطوم خلال الفترة من 4 إلى 17 ديسمبر 2019م، برئاسة دانيال كاندا وضم الممثل المقيم في الخرطوم عبدالكريم فرج وآخرون، بالاضافة الى اقتصادى سودانى (عبدالمحمود ابو الحسن)، علماً بأن الفريق ذكر أنه قد اجتمع بوزير المالية ومحافظ بنك السودان ومنظمات المجتمع المدنى ورجال اعمال سودانيين حسب تقرير الفريق؛ ولا يوجد تفصيل لهذه القوى ولا ذكر لرجال الأعمال هؤلاء؛ علما بأنني لم اجد اى خبر عن وصول هذا الفريق في وسائل الاعلام المحلية والعالمية،  فلماذا تم التكتم على اجتماعات الفريق طالما انه يقدم مشورة ؟ وبالتالى الجهات التى التقى بها، وما هي تلك الجهات التى وافقت على وصفة الصندوق غير وزير المالية ورئيس الوزراء، وهل اعتمد فريق الصندوق على أرقام وبيانات الصندوق، ام اعتمد على أرقام مقدمة من وزارة المالية؛ واذا قدمت الحكومة ارقام ما هي تلك الارقام ؟ وهل بنيت هذه الارقام على توقعات، ام نتيجة أرقام فعلية بنيت على دراسة مستفيضة بناءً هلى معلومات واحصائيات لم تفقد قيمتها بعد.

من جانب آخر قال المدير التنفيذى للسودان أن تغيير النظام قد خلق فرصة لإجراء إصلاحات أساسية لمعالجة الاختلالات الكبرى الكلية  في الاقتصاد وإرساء اساس قوي للنمو الشامل؛ وأن هناك تحديات كبيرة تواجه الحكومة الجديدة فالاقتصاد يتراجع، والاختلالات في الاقتصاد الكلي كبيرة، والقدرة التنافسية ضعيفة، والظروف الإنسانية متردية، وسوف تستمر المخاوف بشأن الحكم والفساد، كما أن إدراج الولايات المتحدة الامريكة السودان كدولة راعية للإرهاب يمنع التقدم نحو تخفيف ديون االسودان كبلد فقير مثقل بالديون؛ وتصفية المتأخرات الكبيرة لصندوق النقد الدولي. وهنا نلاحظ أنه ركز على قائمة الارهاب وتصفية متأخرات ديون الصندوق، وهى بالنسبة لى اشارة واضحة جدا بأن المرحلة الاولى هى ازاحة اسم السودان من تلك القائمة اللعينة وهذا في تقديري سبب مسارعة الحكومة الى دفع تعويضات من اموال الضمان الاجتماعي دون سبب منطقى وتحمل تبعات اعتراف ضمنى بمسؤولية السودان عن ما حدث للمدمرة كول وقضية سفارتي كينيا وتنزانيا، لأن الحكومة اعتقدت ان هذا هو اقصر الطرق للوصول الى قروض صندوق النقد الدولى وجدولة تلك القروض والبدء في سدادها.

ركز تقرير فريق  صندوق النقد الدولي كالعادة على ربط ارتفاع العجز المالى الى دعم الطاقة، ودعم الدقيق، وضعف الايرادات بسبب انعدام التمويل الخارجي وتمويل العجز بطريقة تضخمية (طباعة النقود)، وانخفاض سعر صرف الجنيه المتوالى؛ وهنا اشار التقرير الى أن نظام سعر الصرف مشوه للغاية، وطبعا علاج هذا التشوه هو تحرير سعر صرف الجنيه؛ وجاء في تقرير الصندوق أنه في ظل غياب الاصلاحات (الاصلاحات التى يطرحها صندوق النقد الدولي) سوف تستمر الحالة الاقتصادية المتردية، لذلك على الحكومة أن يكون في مفهومها أن سعر الصرف الموحد اى المحررهو امر اساسي للحد من الاختلالات؛ وإلغاء الدعم عن الطاقة (رفع الدعم عن المشتقات البترولية)، وان تكون شبكة الامان الاجتماعية موسعة وأن تكون موجودة قبل تنفيذ برنامج الاعانات، لأن عدم وجودها ربما يكون مدمرا؛ ايضا هناك امر آخر لم يتحدث عنه احد ودائماً يكون من خطط صندوق النقد الدولى ضمن رفع الدعم السلعي، وهو رفع اسعار الكهرباء واتمنى أن لا يحدث ذلك؛ لأن هذه الاجراءات قاسية سوف تطال شرائح كبيرة جدا من المجتمع السودانى الذى هو بالاساس في معاناة وتتجاوز معدلات الفقر 80% من اجمالى السكان، كما تؤثر تأثيرا كبيرة على حرية اتخاذ القرار الاقتصادي في ظل اوضاع سياسية غير مستقرة حالياً ومستقبلاً، مما يؤثر على الاستثمارات ودعم اصدقاء السودان وحرية قراره السياسي.

وفي ظل تزايد العجز المالى قام وزير المالية بزيادة الرواتب بنسبة 569% في اجراء لم نرى له مثيلاً، فهل تمت مشاورة فريق الصندوق على هذه الزيادة، أم انه قرار سياسي له تبعات على علاقة الصندوق في الفترة القادمة؛ أم ان السودان اقنع الصندوق بوجود موارد حققية تغطي تلك الزيادة تحدث عنها الوزير اكثر من مرة بارتباك واضح مرة قال انها سوف تغطى من موارد حقيقية من الإيرادات المخصصة لدعم السلع (بعد رفع الدعم السلعي)، ومرة ذكر أنها سوف تمول من الأموال التى صادرتها لجنة ازالة التمكين؛ لكن اذا علمنا أن الحكومة ضخط حوالى 75 مليار جنيه لصرف الرواتب، وكثير من الخبراء يشير الى انه تمت طباعة تلك الاموال، ايضا اشارات الحكومة الى استحداث فئة 1000 جنيه ولن يكون إلا زيادة في الكتلة النقدية؛ والنتيجة انخفاض سعر صرف الجنيه، وتفاقم التضخم الذي بلغ 119% .

إن الشروط التي يعتمدها الصندوق لمنح قروض تتسبب في مزيد من الفقر لشعوب هذه الدول، والالتزامات الكبيرة التي تلقى على عاتق الحكومات المقترضة مقيدة وتعيق حركة النمو وتدخلها في دوامة الاقتراض، ونشير هنا الى أن الجزائر على سبيل المثال تحملت الفئات الفقيرة تكلفة سياسات صندوق النقد الدولى حيث حدث سوء في توزيع الثروة، واشارت الاحصاءات الى ان دخل 20% من الجزائريين يفوق دخل النسبة الباقية (80%) بـ 36 مرة، وحول موضوع عدم المساواة ذكرت كريستين لاغارد (Christine Lagarde) التى شغلت منصب مديرة عام صندوق النقد الدولي وتخلت عن المنصب في سبتمبر 2019م، في مقالة لها، ان الإصلاحات الحيوية الداعمة للنمو (مثل إصلاحات الزراعة والقطاع المالي والاستثمار العام) قد تؤدي في بعض الأحيان إلى توسيع نطاق عدم المساواة في البلدان الأقل دخلا؛ وهذا قطعاً سوف يؤدي الى اضرابات اجتماعية تؤثر على المرحلة القادمة التى نحتاج فيها الى تثبيت قواعد الديمقراطية.

Facebook Comments

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: